الدرس الأخير!

مرضَ أحد العارفين وانقطع عن الدرس والأصدقاء. عاده أحد تلامذته في بيته وطلب منه أن يعطيه درسًا في الوعظِ والنصح لا يحتاج درسًا بعده. أجابه العارف بأن يأتي بعد أيام وأعطاه يومًا محدّدًا جاءَ فيه وطرق الباب. فتح ابن العارف الباب وهو يبكي وقال: لقد ترك والدي لك درسًا أخيرًا، تفضل لتعرف ما هو الدرس الذي أوصى بأن يعلمكَ إياه. دخل الطالب فوجده مسجى ميتًا. كان ذلك هو الدرس الأخير الأعظم!
هذا الدرس الذي نتحاشاه لأن ذكره "يكدر" صفو العيش فترانا نتحدث ونكتب عن متع الحياة والسفر وادخار المال ومباهج الدنيا والأسهم والصفقات التجاريّة وكيف نكون من أغنى عشرة أشخاص في العالم. مع أن الكلام أو القراءة عن الموت لا تقصر العمر ولا تزيد فيه ثانية واحدة! تخيل أن الحياة سلسلة من الدروس وأهمها الحصة الأخيرة، فهل ننساها؟!
بين الفينة والأخرى نحتاج إلى صفعة تذكير وإيقاظ تعيد لنا التوازن بين الحق والباطل، بين الحقيقة والوهم، وبين الحياة والموت. يقول رسول الله -صلى الله عليه وآله-: أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت، وأفضل العبادة التفكر، فمن أثقله ذكرُ الموت وجد قبره روضةً من رياض الجنة.
حياتنا تبدأ بعد هذا الدرس لأن ما بعده يساوي ما لا نهاية وما قبله انتهى وهو المستقبل الحقيقي، لا سوق المال والأعمال:
وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا ** لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا ** وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ
ما أردتُ قوله هو: أعمال الدنيا لا تنتهي وأشغالها لا تنقضي فمن المهمّ في زحمة الحياة ومتعها ألا ننشغل عن الدرس الأهمّ والأثمن. حياتنا ساعة نموت ويقظتنَا حين نموت وقبل ذلك نحن نيام في غفلة. ملهيات ومنتجات العصر الحديث أخذتنا بعيدًا عن نقطة الارتكاز والتوازن فلم يعد لتذكر الموت والعظة نصيبًا من وقتنا؛ ضحك ولعب وتسلية فلا نستيقظ إلا حين ينقضي العمر ونحن غُفول.
خذ جولةً بيننا أيها القارئ الكريم وانظر هل يحضر هذا الدرس القيم في سلوكنا اليوميّ أم يغيب؟ اللهم نبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. نحتاج إلى تركيز وموازنة أعمق بين الدرس الأخير وحياتنا اليومية لكي تكتمل الصورة الإنسانيّة وتتكامل.
الدنيا حلوة، الدنيا جميلة! أما الكلام عن الموت فهو مرعب ومخيف! قال رجل لأبي ذر -رحمه الله-: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهونَ أن تنتقلوا من عمران إلى خراب. {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} جرس تنبيه وتذكير بأن كلّ من عليها يعني أن كل من على الأرض من الجنّ والإنس فانون وذاهبون، فعلامَ النوم والغفلة؟!



