أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إلى كل مربٍّ تشغله هموم التربية «2»

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالجمعة 25 أغسطس 2023، 5:38 م
إلى كل مربٍّ تشغله هموم التربية «2»

العالم اليوم قرية مباحة تسمع وتشاهد ما يخطر وما لا يخطر على بالك، عالم تذوب فيه القيم وتختفي الانتماءات الاجتماعية المتوارثة ليحل محلها سلوكيات لا تنسجم مع فكرنا العقائدي والأدبي والاجتماعي، فهل نستطيع وقف أو منع ما ينشره الأشرار من تلوث فكري ووجداني أو نقف مكتوفي الأيدي، ونستسلم للفشل؟! بقوة الإيمان والتقوى وتوفيق من الله وتسديد منه تعالى، نستطيع مواجهة ذلك الفكر الشيطاني، هو من أشرس ما عرفه العالم من صراع العولمة، للاستيلاء على أدمغة مجتمعنا الإسلامي وبقية شعوب العالم.

إنها حُثالة يقدمها الغرب للبشرية مشحونة بكثير من عوامل الهدم والغايات المريضة، لذلك لا بد من الانتباه واليقظة، لا سيما أن المستهدف بتلك السلوكيات هم الأجيال الناشئة المتطلعة إلى الانفتاح -المرض الغربي- العدو الشرس الذي يتربص بنا.

المشكلة التي يعانيها أطفالنا الأبرياء هي تقنيات التسلية وما يصلهم منها من سلوكيات شاذة تفتك بصحة أطفالنا وتخرب عقولهم، كم هائل من الأسئلة حول قضايا معقدة ومتشابكة، تحتاج الأسرة إلى مهارة كبيرة من الثقافة والوعي للإجابة عنها بحيث تستطيع التأثير على أبنائها لمواجهة ذلك الفكر -التحدي الكاسح الذي تواجهه البشرية في القرن الحادي والعشرين- فالتربية تقوم على أساس توقي عدوى الأفكار المريضة وترسيخ المفاهيم والعادات الصحيحة إلى أطفالنا الأبرياء، إنه عصر لا ينفع معه التراخي. الظواهر الشاذة غزت فكر أولادنا عن طريق قنوات التواصل المختلفة، تلك الأجهزة الذكية التي وصلت إلى أيدي أطفالنا وسيطرت على اهتماماتهم وطاقاتهم ودفعتهم إلى سلوكيات خارجة عن القيم والأعراف السائدة من خلال تنمية الأحاسيس العدائية.. وصولًا إلى زرع ميول العنف والجريمة، الأمر يقتضي منّا مزيدًا من الصبر ومزيدًا من التوعية، فمهمة التربية لهي من أصعب المهمات؛ لأننا نتعامل مع أطفال يتعرضون لغزو فكري كل يوم، لا يصلح أن نقول لهم هذا عيب وذاك حرام!!، هم مع الأسف ينظرون إلى كل شيء بفضول وبراءة دون أن يدركوا أن بعض الأشياء قد تكون غير مأمونة وقد تؤذيهم، الطفل تحول إلى دمية، يتسمر أمام شاشات الأجهزة الذكية لساعات وساعات، هي شاغل الطفل الوحيد في وقتنا الحاضر، تجذب انتباهه خصوصًا ألعاب المغامرة والمطاردات العنيفة التي تنمي مشاعر العنف والعدائية وتولد تناقضًا نفسيًا في شخصيته. فالطفل يتلقى الصوت والصورة ليرسبها في الذاكرة وإذا بها تتحول إلى ممارسات واقعية مطابقة للفيلم أو اللعبة التي رآها، كون عقل الطفل يتقدم نحو مدارج التقليد والتحدي.

إن الأغلبية الساحقة من الأسر في مجتمعنا باتت تحس بفداحة ما تلاقي من مشكلات على المستوى الذهني والأخلاقي والجسماني. نعم نجح الغرب في تغذية أولادنا كل هذه الشرور، كل يوم نسمع ونشاهد ونقرأ قصصًا مؤلمة، واقعنا مليء بأمثلة لا حصر لها، هنا قصة طفل انتحر وهناك طفل طعن أخته الرضيعة بطعنات حادة بسكين مطبخ وآخر هب من نومه مذعورًا، وأخذ ينتفض ويرتعد ويصرخ: "إنهم يقتلون الصغار، وسوف يقتلونني" فظلم أن يرى أبناؤنا مشاهد العنف والانحراف السلوكي، المشاهد التي تقض مضاجع أطفالنا، وتنكِّد عليهم حياتهم، يكون الطفل غارقًا في بحور الأمواج المتلاطمة بالتناقض وانقلاب القيم، مثل هذه الألعاب أفسدت طفولتهم وسرقت أحلامهم، ولم يعودوا يعرفون كيف يستخدمون عقلهم، وكلها ضر من ضروب التقليد والتحدي.

شكلت هذه الألعاب مشكلة نفسية في حياة الطفل، أصبح يمارسها في الخفاء؛ كون الطفل لا يستطيع أن يبوح بكل ما يشاهده لأهله، هذه الألعاب تستهدف هذه الفئة العمرية الحساسة بغرض إيقاعها في النوازع الشريرة.

إن تلك المفارقات في واقع الحياة واختلال الموازين التربوية هي التي جعلتني أضع هذه السطور مبضعها على الجرح لتصقل شيئًا من معاناة الناس داخل بيوتهم، إننا لسنا ضد التسلية الصرفة للطفل في جوانبها الإيجابية، ولن يكون ذلك، لكن فتح الأبواب على مصاريعها يشكَّل خطورة بالغة على مستقبل الأجيال، إننا في أمس الحاجة لضبط وقت التسلية والترفيه واختيار ما هو صحيح موثوق، اللعبة التي تخلو من قصص العنف والمغامرات المسلية والمفسدة معًا وكذلك الانحرافات السلوكية التي تذيب الشخصية والهوية، وحتى لا نرى هذه التسلية وقد تحولت إلى معول هدم للصروح التي نشيدها بأتعابنا، يجب علينا أن نقدم للطفل متعة وإفادة معًا، كون الهدف من اللعبة ليس التسلية فقط.

بُعْد الآباء والأمهات عن أبنائهم ومشكلاتهم وحياتهم اليومية، وتركهم وحدهم يلهون بألعاب الفيديو والأجهزة الذكية خطأ كبير، نتركهم لهؤلاء الأشرار دون توجيه وتوعية ليصبحوا تحت سيطرتهم ورحمتهم لا سيما أن سن هؤلاء الأطفال لا يسمح لهم بأن يكوّنوا انطباعًا صحيحًا واضحًا عن مكامن الخطر المحدقة بهم، قادتهم إلى أجواء أكثر حساسية وانفعالية على نفسيتهم ومشاعرهم، لما تزرعه من خوف ورهبة.

حرمان الطفل من حنان أبويه، قد يوقعه بسهولة في أنماط الحياة الشاذة، ولا أظن أن في كلامي هذا أية مبالغة؛ لقد كُتب وقيل الكثير عن مآسي الأجهزة الذكية التي حوت الكثير من الانحرافات التي لم يعد من الممكن السيطرة عليها، شكلت وسيلة تسلية مؤثرة في حياة الطفل، لقد أصبحت مصدرًا للعادات السيئة والرذائل الشريرة، ومن جانب آخر تعد الألعاب الإلكترونية تسلية ناقصة حيث تفتقد للمهارات الحركية. وكل طفل واظب على اللعب لساعات طويلة لأيام متلاحقة لا بد أن يشعر بالأثر الإدماني ولو بدرجات متفاوتة، وبتنا نجد من يصنفها على أنها نوع من أنواع الإدمان، وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ألا تتجاوز مدة جلوس الطفل أمام شاشات الأجهزة ساعتين يوميًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى زيادة احتمال الإصابة بالبدانة، حيث إن ارتفاع حالات البدانة لدى الأطفال في غالبية دول العالم يعود إلى قضائهم فترات طويلة أمام شاشات الأجهزة الذكية، يقضون ساعات طويلة.. تبرمجت أصابعهم على استخدام ألعاب الفيديو، لتكون التسلية الوحيدة لديهم، والشغل الشاغل لهم، بسحرها وجاذبيتها، يلعبون وحدهم أو بمشاركة الأقران، وعن الدروس والواجبات المدرسية هم يهربون، بينما نرى الآباء والأمهات يعيشون حياتهم طولًا وعرضًا، ينظرون إلى الحياة بمنظور مادي بحت، منشغلون وليس لديهم الوقت للتعرف على أطفالهم وتنويرهم كي لا يقعوا في عبث الأشرار، غياب الإحساس الوالدي كان له تأثير مباشر على مستقبل الأبناء وأفكارهم وإبداعاتهم، ومع الأسف الشديد أصبحت الأجهزة الذكية المصدر الأول للتربية الحديثة الوسيلة لبث سموم الغرب بسبب الفجوة الموجودة بين الآباء والأبناء، فالإيقاع الراكض نحو ميادين العمل جعلت الآباء والأمهات منشغلين أو مهتمين فقط بمستقبلهم الوظيفي على حساب البيت والأبناء. والواقع أن ما نشاهده اليوم من نمط اجتماعي له تأثير مباشر على مستقبل الأجيال القادمة ومتعة وجودها. التربية الحديثة يغلب عليها طابع الانفتاح بلا حدود، أسلوب غير تربوي، بل هو محبط ومدمر للعلاقات بين الأب والأم وأبنائهما؛ تدليل زائد، أو إهمال وعدم اهتمام بمشكلاتهم وعلاقاتهم وطبائعهم وسلوكياتهم الشخصية؛ مما سيولِّد في نفوسهم عقدًا نفسية ورعبًا وانحرافات سلوكية يصعب علاجها.

وأخيرًا، لم تعد ألعاب الفيديو والأجهزة الذكية وسائط ثقافة الطفل وتسليته، بل باتت وبالًا ومصدرًا لنشر ثقافات الانحراف والفساد والانحطاط، والخطر يكمن في سرعة تأثيرهما ووصولهما إلى أحاسيس الأطفال ووجدانهم، وفي الحقيقة يعد هذا الأمر واقعًا وليس تهويلًا أو تضخيمًا، قوى أساسية تحرك المجتمع البشري اليوم، السلاح الجديد لم يسبق له مثيل، فقد ثبت أثره المدمر في تنشئة الأجيال في دول العالم، نحن الآن أمام حرب ناعمة دخلت بيوتنا لتهدد مستقبل أطفالنا، أصبحت هذه الألعاب وما تحويها من صور ومشاهد مقززة، وألفاظ نابية، وأفكار شاذة، وسلوكيات غير سوية، تعصف بعقول فلذات أكبادنا وتزيحهم عن الطريق المستقيم والميل بهم إلى مهاوي الضلال والسقوط بهم في أوحال الفكر الفاسد، فالأسرة الواعية تمكن الطفل من اكتساب القيم والمثل التربوية والموروثات التي نشؤوا عليها. و.. للحديث بقية.