بالشكر تدوم النعم.. نعم الله بين الماضي والحاضر!

كاد فصل الصيف الحارّ الذي نتأفّف منه وننتظر أن ينقضي. كان قديمًا يمدّ النّاس بمؤونةِ سنةٍ كاملة من التمر الذي عليه عاش الآباء والأجداد والأمّهات والجدّات حتى وصلنا إلى هذه النعمة. رأينا بعض هذه المعاناة في أواخرها، إذ لو بعث الله من مات من أهل ذلك الزمان لم يصدقوا فارق المعيشة بين الآن وآنذاك. نحن في نعمة تحتاج من يتفكر ويشكر اللهَ عليها!
كان فصل الصيف كريمًا في ثمار النخيل لكنه كان لئيمًا وغير مسامح في شدّة الحرارة، لا شيء يخفف من حرارة القيظ والرطوبة إلا عريش من السعف يُستظلّ به أو بيت طين لمن كان في طبقةٍ أرقى ماديًّا. لا مروحة هواء ولا ضياء ولا مبرد هواء، ولا كهرباء أصلًا!
لم يكن الشتاء أرحم من الصيف، لكلّ فصلٍ متاعبه، فمن أين تأتي ملابس الشتاء ومن أين تأتي التدفئة. الناس يموتون من الجوع والحرّ والبرد والمرض، يأكلون ما لا يُؤكل ويشربون ما لا يُشرب، ويقطعون المسافات الطويلة بحثًا عن شغل ولقمة عيش، عن أيّ طعام يؤكل!
في كل زمنٍ أغنياء لكن السمة الغالبة كانت الفقر والعوز وزحمة الحياة، ربّ العائلة يهلك ويكدّ لكي يحصل على ما يكفي لسدّ الرمق، أما الجهل والأمية فحدّث ولا حرج؛ المحظوظ من يتعلم القراءة والكتابة والحساب البسيط. الأمراض منتشرة، الأطباء يبعدون مسافاتٍ طويلة والمشافي ليس فيها أدوات الطبّ الحديثة.
أخاف أن يقول أحد القرّاء الشباب بأن هذا قبل ألف سنة! لا، كان قبل بضعة عقود من الزمن. إن كان من حسنة تُذكر لذلك الزمان فهي أنه أنتج جيلًا فيه شيء من الصلابة والخشونة واندفاعَة نحو التغيير. ولمن في نفسه سؤال: لماذا الكتابة عن هذه الأشياء من الماضى؟ فالجواب هو: على الشبّان والشابات ألا تشغلهم بهجة الحياة عن المنجزات الحقيقية، العلم والعمل والسلوك الراقي!
العبرة من تذكر تلكم الأيام أن نعرف ونفهم جيدًا أنّ دوام الحالِ من المحال فكم رأينا غنيًّا افتقر وفقيرًا استغنا! أحوال تحتاج إلى تفكر وشكر والحفاظ على النعمة من الزوال بحسن التدبير. من السنن الإلهية في حياة البشر تبدل الأحوال؛ ساعة حلوة وساعة مرّة والدنيا غير باقية على حال!
إِذا تَمَّ أَمرٌ بَدا نَقصُهُ ** تَوَقَّ زَوالاً إذا قيلَ تَمّ
فَكَم آمِنٍ عاشَ في نِعمَةٍ ** ما حَسَّ بِالفَقرِ حَتّى هَجَم
وَكَم قَدَرٍ دَبَّ في غَفلَةٍ ** فَلَم يَشعُرِ الناسَ حَتّى هَجَم
عندما تتكاثر النعم، نتوقف لحظة ونقول: الحمد لله، أكل متعدد الألوان والأصناف، لباس جيّد، سقف فوق الرأس، مشافٍ قريبة، أين هذا من زمن المجاعات والبؤس الذي قاساه الآباء والأجداد الذين كانت تمر عليهم الأيام في معاناةٍ وركض خلف الماء والغذاء - البسيط - وأساسيّات الحياة؟!
عن أبي عبد الله عليه السلام: أحسنوا جوار نعم الله واحذروا أن تنتقلَ عنكم إلى غيركم أما إنها لم تنتقل عن أحد قط فكادت أن ترجع إليه، قال: وكان علي عليه السلام يقول: قل ما أدبر شيء فأقبل.



