الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أين أبي؟!

جمال الناصر · القطيف اليومالخميس 16 نوفمبر 2023، 9:19 م
أين أبي؟!

على الأريكة شارد الذّهن، مُبحرًا في ذاته، تقاسيْمُ وجهه يعلوها الحُزن، تتأمَلهُ زوجتهُ "أم فاطمة"، تُحاول أن تقرأ ما يعتريه، سكبت كأسًا من الشَّاي المُخدر، ووضعته على الطاولة أمامَهُ، كعادتها في المساء، تجلِسُ في حضرته، تُصغي إلى حكايات يومه.

لم يدر طرفَهُ لها، عينَاهُ واسعتان، عسليتان وشاحبتان، الضَّوءُ المُتسلِلُ من الزاوية اليُمنى في الأعلى يُسقِطُ اللَّمعان، كشيء يُريْدُ أن يُسافر معه إلى حيْثُ لا يعلم.

أتهفو الرُّوح إلى احتضانها في ذات اللَّحظة التي أبصرها؟، أم الحسرَةُ التي تنتَابُ وجنتيه في احمرار وجنتيها النَّابعتين، ليس من حرارة شمس الظهيرة، ولكنَّه الاشتياق.

قطعت عليه حبل تأمُلاته وأفكاره، ليُدرك للتو بأنَّه معها، اعتذر منها، وتناول الشَّاي بيديه، والابتسامَةُ تُصافِحُها في انحناءة اعتذار. أطلق عينيه في الزَّوايا، وكأنَّه يبحَثُ عن شيء ما، استدرك فجأة، وقال: أين فاطمة؟ أجابته: إنَّها تُمارِسُ اللّعب في غُرفتها. قام من فوره، نظر لها خلسة من وراء الباب، اغرورقت عيناه بالدُّموع، أدارت فاطمة إليه طرفها، أسرعت إلى احتضانه، قبلها بشغف الحنان، وكأنَّه يُلامس طيفها، وهي تنتظِرُ عند الشَّجرة بجانب الروضة. وضع فاطمة على حجره، وأخذ يتناول الشَّاي، وأصابعهُ تُداعِبُ خُصلات شعرها البريء، مُستحضرًا عينيّ كوثر، وهي تترقَبُ بشغف البراءة.

خاطبتْهُ زوجتَهُ: ما لي أراك اليوم على غير عادتك، وكأنَّ في قلبك ما يُشغله عنَّا، لم أعتد منك الصَّمت الغامض، اشتقْتُ إلى حكاياتك المسائية.

أخذ نفسًا عميقًا، مُحدقًا في عينيها، كانت بُرهة، النَّظرَاتُ تنسجُها الحكاية، استشعرت مدى الألم في قلبه، الوجَعُ باديًا على تفاصيله.

أخرج آهة مخنُوقة بين أضلعُه، وبدأ يسرِدُ لها الحكاية. انقبض قلبُها، عانقت يديه، تتحسَسُ وجعَهُ؛ لتبعث من راحة يديها، وأصابعها ما يمنحَهُ الطمأنينة والسكينة.

كُنْتُ واقفًا عند بوابة الرَّوضة، أراقِبُ خُروج الأولاد والبنات من بوابة الروضة؛ لأطمئن على سلامتهم، وكما تعلمين أنّي لا أكتفي بالمُراقبة، لذا وإن كُنت صاحب الرَّوضة فإنّي أخرجُ من المكتب، وأكون إلى جانبه يوميًا. وفي هذا اليوم، وعندما كانت نظراتي تحُوْمْ في المكان، وإذا بطفلة كانت واقفة عند الشَّجرة، تستظِلُ من حرارة الشمس بظل جذعها، وسُعيفاتُها الخضراء، كانت عيناها ترتجفان، تُوزعُها النَّظرات في كلّ اتجاه، وكأنَّها تبحَث عن شيء ما تفتقده.

في عينيها كمية من البُكاء، لم أبصِر الدُّموع، لكنّ وجنتيها الحمراوين تبكيان، لقد استحوذ المنظر على كلّ كياني، ثمَّة جاذبية لا أعرِفُ لها سببًا تعتريني، عزمْتُ على مُراقبتها إلى أن يأتي لها من يُرجعُها إلى منزلها، وما هي إلا لحظات، وجاء سائِقُ يبدو أنَّه من أقاربها، حيث أشار لها بيديه، وتوجهت إليه بخُطواتها البائسة، وكأنَّه الخُذلان أصابها، حيث لم يأتِ من تنتظره.

احتضنها بحنان، صعدت السَّيارة، كان السُّكون يلفها، مدَّ يديه وقدَّم لها عصيرًا باردًا، يُؤنسها من حرارة الشمس، داعب خديها ومضى يقُودُ سيارته، إلى أن غاب عن ناظري، ليجعلني غريقًا في تأمُل هذا المشهد، واضعًا يديَّ على قلبي أعتصره.

تقدَّم لي المُراقب، يبدو أنَّه لاحظ ما بي، وخاطبني: أتعلم من تكون هذه الطفلة؟ حدَّقْتُ في عينيه مليًا، فأجابني هو: إنَّها زينب، الطفلة التي توفي والدها، ألا تذكر الرَّجل الذي كان يقف خارج سيارته ينتظِرُ هنا قبل نهاية الدوام، وعندما يراها يأتي لها ويحتضِنُها، وهي تبتسِمُ له. نعم، أهذا والدها؟ نعم هو، لقد توفي إثر نوبة قلبية داهمتْه، وهذا أول يوم تأتي الطفلة إلى الرَّوضة مُنْذ وفاته.

تناول منديلًا، أراد أن يُوقف هذه الدُّموع من عينيه، وهو يُقبِلُ طفلته، ويُناغيها. أتعلمين أنّي كرهْتُ نفسي، أوجعتني هذه الطفلة، لا أعلم لماذا لم أحدثها، لم أصافحها، لم أعطها قطعة شُكولاته، لم آخذها في حُضني، لم ألاطِف وجنتيها.

أتعلمين أنَّ هذه الطفلة قلبُها كيف كان هذا اليوم؟، وهي تبحَثُ عن والدها، عن ذراعيه، عن ابتسامة شفتيه، وفي كُلّ نظراتها، ونبضاتها، تُنادي: أين أبي؟!