سيحفظك التاريخ كما حفظته

لم يسعفني الوقت لسوء الطالع للمشاركة في تشييع الفقيد العزيز الأستاذ عبد الخالق الجنبي؛ لظروف تواجدي خارج المنطقة، وهو الذي لم يعلن عن ذلك، حتى نعمل على التواجد، وكيف يعلم أو يُعلم، وقد كانت ابتسامته وهو على سرير المرض تبشر بالتفاؤل، وأمل الشفاء القادم، وما حسبنا أنها تلك الابتسامة التي كان يرسمها كعادته، وإن امتزجت معانيها هذه المرة بالشحوب والوهن الذي فضحته الصورة المنتشرة له والتي ما كنا نود أن تنشر وتنتشر حفاظًا على مقامه ومهابته، وليظل في أعيننا ووجداننا كما عرفناه أخاذًا بكل ما فيه قبل أن يسلبه المرض قواه وعنفوانه.
لست ممن عرفوه عن قرب كثيرًا، ربما لاختلاف التوجهات خلال عقود، حيث انغمس هو في أدبياته المتفرعة، وولج التاريخ من مختلف أبوابه ومناحيه، ولهذا فإن خير من يكتب عنه ويدون هم الأقربون ممن عاصروه ورافقوه طوال الدروب والعقود، ولا شك أن الشعراء والباحثين لديهم الكثير ليقولوه وينقلوه عنه، وهو ما نشدد عليه ونريده:
أن يدون أولًا، لتظل ذكراه حاضرة عاطرة دومًا في أذهان المتعطشين لسيرته ومسيرته
وثانيًا أن يعقدوا له الفعاليات والدراسات التي نأمل من خلالها أن يسردوا لنا تاريخه ويبسطوا نتاجه في شكل حلقات متوالية لنتعلم منها بعض ما أخفى عن الكثرة، أو أظهر للقلة القريبة منه بما كان يسر لهم به.
الاحتفائية أو الاحتفال المزمع إقامته له وبمشاركته هو شخصيًا لابد أن يكتمل وينظم ويقام وبصفة رسمية، وهو بلا شك سوف يكون الحاضر الأول فيه.
ونرى أن توسعة المشاركة مطلوبة لتشمل من يريد المشاركة من خارج محيطه الجغرافي سواء من الوطن أو من خارجه. ولهذا لن يسعه الاعتذار، لأنه سيكون حاضرًا رغم غياب شخصه الأزلي، وإني هنا أشد على أيدي إخواني الشعراء والأدباء والباحثين بأن يعملوا على إتمام خطتهم لإقامة الاحتفالية لشخص يستحقها من زمن، وقد تأكد ذلك الآن بعد رحيله.
القامة عبد الخالق الجنبي لم يكن شخصًا عاديًا وقد داهمه المرض مرتين تغلّب عليه فيهما، صغيرًا أولًا وإن أعاقه جسديًا، وكبيرًا ثانيًا حين سلّم أمره لله تعالى شاكرًا ومحتسبًا، ومبتسمًا كعادته، وهذا دليل الرضا بقضاء الله وقدره، ولذا فهو للحظة الأخيرة كان عازمًا على المشاركة في حفل التكريم الذي لم ينعقد بسبب رحلته الأبدية المفاجئة، وسوف يتواجد كما أسلفنا وبلا شك، حيث سيعود في شكلٍ آخر يحلق وينير الاحتفال والاحتفاء يسمع ويرى ويبتسم ملء الحب الذي كان يكنه في قلبه والذي سوف يظل ينبض فينا، ولسوف نسمعه نحن أيضًا ونراه رؤيا العين واليقين أنه الحاضر الذي لا يغيب، سوف يتلو علينا آيات الجمال شعرًا ونثرًا، ويسرد لنا التاريخ روايات وقصصًا كما لم ولن يفعل غيره، لأنه المختلف المدهش في كله حيًا وميتًا!
حفظت التاريخ منمقًا متسقًا يا أبا طاهر، وسوف يفي لك، ويحفظك في ذاكرته، وتعود في ذاكرتنا عرابًا وعلمًا ومعلمًا، نقتبس منك النور، وننتهج منك منهاج الحقيقة.
رحمك الله يا أبا طاهر رحمة أبدية، وراضيًا مرضيًا.



