ورحلوا غرباء!

ثقافات الناس وقناعاتهم لا تتغيّر إلا نادرًا ولو كانت الحجج والمعجزات عليهم متتالية. قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، وما زال الحال كذلك حتى اليوم؛ القوم أبناء القوم.
جزء يسير جدًا من الناس -عامةً بمختلف طبقاتهم- يتجرّدون من ذواتهم وينظرون للواقع كما هو، ومستعدون لتغيير أفكارهم تبعًا لذلك. إن مجاهدة النفس ليست بالأمر اليسير حتى عند العلماء والمفكرين والمثقفين.
يغلب على المجتمعات المعاصرة وجود تيارات دينية أو ثقافية سائدة يكون لها الغلبة في تحديد توجهات الناس وبوصلة أفكارهم وحتى طقوسهم العبادية وعاداتهم وتقاليدهم، ويعتبرون الخروج على هذا الموروث أو المعتقد تمردًا ينبغي الوقوف في وجهه وتحجيمه أو وأده في مهده، فلا يؤمنون بالتغيير ولو كان الأفضل لمتطلبات الحياة الجديدة. كلًّ تجديد أو تغيير في نظرهم سيء إلا إذا كان متوافقًا مع أفكارهم وقناعاتهم وتوجهاتهم الخاصة أو منطلقًا منها، وكأنهم يملكون سنن الحياة الدنيا وصكوك الجنة وقصورها وغرفها ودرجاتها ويوزعونها على الناس كيفما يشاؤون.
أصحاب الفكر النوراني، وأولو الرأي والبصيرة من العلماء الربانيين والمفكرين والمثقفين -المبدعين والمتألقين- الذين سبقت أفكارهم عصورهم عانوا في مجتمعاتهم كثيرًا نتيجة أفكارهم التقدمية وتمرّدهم على الموروث الثقافي التقليدي غير العلمي؛ وما أعجوبة الدهر المرجع العظيم السيد محمد باقر الصدر -رحمه الله- إلا نموذج من هذه النماذج الرسالية التي عانت الكثير الكثير في سبيل طرح أفكارها التقدمية النورانية، وما زال يدفع ضريبة الإبداع وهو تحت الثرى.
إن المعاناة التي يعانيها المبدع والمفكر المتديّن كالصدر العظيم بلا شك أضعاف تلك التي يعانيها المفكر أو المثقف غير المتدين؛ لأن التمرد على عباءة الدين السائدة أشبه بالرّدة عن الدين والخروج من الملة في نظر أغلب الناس وخاصة البسطاء منهم؛ غير أن الإبداع التقدمي عمومًا هو معاناة بكل أبعادها لصاحبه في شتي المجالات، وما معاناة بعض الأطباء المبدعين في تغيير بعض النظريات العلمية القديمة -التي سادت لعقود من الزمن- مع زملائهم في السلك الطبي إلا مصيبة تخنق الأنفاس، وهكذا هو الحال في بقية التخصصات.
بعض الناس -كالصدر وأمثاله- لا يعرفهم إلا الله جل وعلا ورسوله وآل محمد عليه وعليهم السلام وصفوة اختارها الله لذلك، هؤلاء العظماء ولدوا غرباء ورحلوا غرباء، وحياتهم أشبه بحياة الأنبياء والمرسلين (ولدوا فتعذّبوا فماتوا). إن ولادة هؤلاء وأمثالهم من سادات التاريخ هي ولادة للحياة من رحم الحياة، ورحيلهم رحيل للحياة بما فيها ومن فيها ولكن عند ذوي الألباب.
لو كان الأمر بيدي لكتبت كلمات هؤلاء السادة وأفكارهم بمداد من نور ورسمته على جبين السماء.
ما ذكرناه -أعلاه- ليس دعوة للتمرّد على الدين طرفة عين ولا على مقدّساته مطلقًا؛ من عامة الناس بل نعتبر ذلك التمرد -من العامة- النابع عن هوى النفس استخفافاً بالدين وبالمقدسات نحن وأنتم براءٌ منه إلى يوم القيامة، كما لا يعني الحرية أو الحلية للمنفتحين ليجدوا ضالتهم في وضع أفكارهم ورؤاهم غير المقبولة والمتعارضة مع الدين والأخلاق أبدًا، وإنما هو مختص بصفوة الصفوة من المفكرين ورجال الله الذين أفنوا حياتهم ونذروا أنفسهم لله وللعلم وللإنسانية ولكن جهلهم الناس، وما عداهم فغير معنيين في المقال بحال.



