الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

السادس عشر من يونيو «يوم الأب المنسي»

إبراهيم الزين · القطيف اليومالخميس 20 يونيو 2024، 10:07 ص
السادس عشر من يونيو «يوم الأب المنسي»

لا أعتقد أن الكثير منا يعرف ما هي المناسبة التي تصادف تاريخ 16 يوليو من كل عام، وشخصيًا لم أكن أعلم بذلك لولا المقطع الذي شاهدته صدفة في إحدى مجموعات الواتساب قبل يوم واحد.

للأسف أنه تاريخٌ مطويٌ تحت عباءة النسيان، ورغم أن حضرتي لا يؤمن بهذه التواريخ ولا مناسباتها المفتعلة، إلَّا أنني أنتصر هنا لبني جنسي وفصيلتي وهم الرجال الآباء.

التاريخ يخص الاحتفاء بيوم الأب يا معاشر الرجال كما أن لباقي الأجناس المختلفة يومًا يحتفى به، ولكن للأسف لا ذكر لنا في الواقع، ولا أحد ينظر ليومنا بعين الاهتمام، فهل يعقل أن يصل حالنا لهذه الدرجة من الاحتقار، وهل هذا هو نصيبنا وجزاؤنا على ما نفعل نحن الآباء؟

هل يعقل ألا يهتم بنا أحد، أو على الأقل نهتم نحن بأنفسنا؟ أن نخطط للاحتفاء بنا، وننتصر لأنفسنا بأن نقيم لنا مناسبة ولو بالحد الأدنى بين الأصدقاء والمعارف، لعل أحدًا أو بعضًا من البنين والبنات يخجلون من أنفسهم ويتذكرون أن لهم آباء، ولو مرة واحدة في العام، ثم يعودون لما هم عليه من نسياننا، بدلًا من أن يتذكرونا فقط عند حاجتهم، وكأننا ننساهم أصلًا، وهم يعلمون أو لا يعلمون أننا -معظمنا- لا ننساهم، بل ولا نملك الوقت الذي ننتبه فيه لأنفسنا ونرعى حالنا، بدلًا من أن نصرف عمرنا وجهودنا واهتمامنا وحواسنا عليهم من مولدهم إلى ما شاء الله، وعندها لعل وعسى أن يحظى بعضنا حينها بصورة جامدة وسط برواز معلق على الحائط، لا ندري أهي للترحم علينا أو للتبرم منا كلما نظروا إليها.

لا أتشاءم ولكن هذا ما يشي به التاريخ، ويحعلنا نترقب في ذلك اليوم لعل أحدًا يذكرنا ولو بهدية متواضعة، مثلما حصل لي حين فقدت سماعة جوالي والتي مصادفة كانت قبل ذلك التاريخ وفقدت الأمل بالعثور عليها، لولا المفاجأة الجميلة التي حدثت حين وجدتها إحدى حفيداتي الصغيرات في سيارة والدها والذي رافقته فيها بعض الوقت في اليوم الذي افتقدتها فيه، واعتبرتها أغلى هدية وكافأتها على ذلك بمضاعفة عيديتها حين صادف أن أعادتها لي في يوم عيد الأضحى.

كم نندب حظنا ونحن نرى أبناءنا يحتفلون بأمهاتهم اللاتي أنجبنهن، وكأن الله لم يجعلنا سببًا في ذلك، وكم نتحسر ونحن نرى الهدايا تترى عليهن "الأمهات" وأما التكلفة فعلينا! ونحن نتفرج كالغرباء، ولا أحد يكترث بنا.

يا ناس يا عالم الأبناء انتبهوا لنا وأديروا بوصة الاهتمام تجاهنا، فنحن الذين صرفنا أعمارنا عليكم ولكم، وربيناكم وعلمناكم وزوجناكم وصرنا نحتضن أولادكم وبناتكم ونرعاهم مثلكم تمامًا، فنحن لم نتغير، من صغركم وحتى أصبح بعضكم رجالًا ونساءً مستقلين.

ألا تعلمون أن آباءكم الذين سهروا على راحتكم قد نذروا لكم المال والوقت والجهد والعمر كله فقط ليسعدوكم، يتألمون إذا تألمتم، يمرضون إذا مرضتم، ويحزنون إن حزنتم، ويفرحون إذ فرحتم، لأنهم علقوا حياتهم بحياتكم دمًا ولحمًا وشحمًا وعواطف وأحاسيس.

وقد تقاعد من تقاعد منهم وربما مبكرًا فقط لأجلكم ولكي يتفرغوا لكم ولراحتكم، مؤثرين لكم كل شيء حتى أرواحهم، وأن المقتدر منهم، يصرف أو سوف يصرف على ترتيب أوضاعكم ودراستكم المتأخرة والمتقدمة وينهض بكم في حال فشلكم ويبذل الغالي والنفيس في سبيل أن تكونوا بالصورة التي يتمناها لكم، حتى لو أفلس وأنفذ كل ما يملك، يظل يعمل ويعمل حتى بمساعدتكم في توظيفكم بعد تخرجكم، وتهيئة سكنكم، وتزويجكم والاهتمام بكم مرة بعد مرة بعد مرة لا يكل ولا يمل، وربما أنتم في غنى عن ذلك كله، ولكنه الأب وما أدراك، والذي مهما كبرتم تظلون صغارًا في عينيه ليس لأنكم فعلًا صغار ولكنه حنان الأب ورقته وعطفه.

ترتاحون ولا ينام حتى يطمئن عليكم، تخرجون ولا يستريح ساعة حتى عودتكم، وربما تعودون ولا تلتفتون له، ولكنه يشعر بالراحة لمجرد أن يسمع أصواتكم مع بعضكم حتى لو لم تكلموه أو ربما جاملتموه بالسلام ولو بالإشارة.

الأب لا يحتاج عيدًا سنويًا، فأنتم عيده الذي يفرح به يوميًا وإن جهلتموه، فما بالكم لو أنكم التفتوا له وجالستموه ليشم منكم شذى البنوة، ماذا لو أعطيتموه بعضًا من حقه عليكم وهو الذي صرف كل ما يملك عليكم لدرجة الإفلاس، وليصبح خاويًا من كل شيء، اجعلوه يشعر أنه غني بكم، وفخور بكم، حين تضعونه في المكان الذي يليق به ويستحقه، ولن يكون ذلك إلا وسط قلوبكم وعيونكم، عندها سوف يشعر أنه أب حقيقي، وليس مجرد قطعة من كماليات المنزل.

انتبهوا لآبائكم تمامًا كأمهاتكم، ولا تظنوا أن قسوة الأب أو أوامره ونواهيه تحط من قدركم، بل هي ترفع من درجتكم لأنه يعلم أين تكون مصلحتكم، فلا يمكن أن يضر الأب ابنه، ولا يمكن أن يكون الأب جاهلًا بمصلحة أبنائه، لأنه ليس من أحد قد جعل الله فيه تعالى الحرص والاهتمام والاستشعار، ومعرفة المصلحة والمفسدة والصالح والطالح والحسن والقبيح للأبناء أكثر من آبائهم.

والحمد لله على النعمة التي يعيشها أغلبنا وننعم بها مع أبنائنا وعوائلنا، وإن وجد بيننا القليل ممن خانه الحظ والتوفيق لأسباب مختلفة نسأل الله تعالى أن يصلحها لهم، والسلام.