الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من بقايا ذكريات الحج.. الفوطة البيضاء والملياردير!

هلال الوحيد · القطيف اليومالأربعاء 26 يونيو 2024، 10:33 ص
من بقايا ذكريات الحج.. الفوطة البيضاء والملياردير!

القراء الكرام، هل نستطيع أن نستغني عن تشريعات الله سبحانه من صلاة وصوم وحج وغير ذلك من الأعمال؟ أم أننا لا نتسامى ولا نتكامل في الحياة الدنيا دون التشريعات السماوية؟! هل نستطيع أن نعرف جميع علل الأحكام أم أن أفهامنا تقصر عن ذلك فليس لنا إلا السمع والطاعة؟

انتهت أيام الحج ولم تنته دروسها. أحد الدروس هو لباس إحرام الرجال؛ فوطتان من القطن الأبيض، ثمن الفوطتين لا يزيد على عشرات الريالات. يلبس من يملك مليارات ومن يملك ريالات، بالكاد تكفي لأداء فريضة الحج، فوطتان ويرتحل كلاهما في الوديان؛ عرفة، مزدلفة، منى، مكة، لا أحد يعرفه ولا أحد يهتم أصلًا من يكون! من ليل اليوم الثامن من ذي الحجة وحتى اليوم العاشر لا يُعرف الغنيّ من الفقير لأن ليس سوى منظر الفوطتين، واحدة إزار والثانية فوق المنكبين يتسيد المشهد.

في عرفة خيمة مفتوحة على الجميع، في مزدلفة الرجال ينامون تحت السماء على فرش بسيطة جدًّا لأن مدة المكوث في مزدلفة لا تتجاوز الساعات، كلهم يلبس فوطتين. تتزاحم أكتاف المليارديرات والفقراء وهم يرتدون فوطتين في منى لرمي حصيات على ثلاثة شياطين؛ الشيطان الكبير والأوسط والصغير أو الجمرات الثلاث.

رجال على حالتهم الطبيعية؛ لباس أبيض، لا عطر ولا زينة، لا حلق لحى ولا نظر في المرآة للزينة! ماذا يكون عليه أشكال الرجال وروائحهم؟ وإن استحموا بالماء فلا صابون ولا معطرات! يعود الحجاج بعد انتهاء فريضة الحج إلى طبيعتهم وتعود الفروق واضحة بينهم. يسكن الغنيّ قصرًا ويسكن الفقير دارًا متواضعة.

يدعو الله الإنسان ليتفكر في حجمه ويتعظ! تعال لا تتكبر، لا تنفش ريشك، أشياء كثيرة مشتركة بينك وبين غيرك. أنت تأكل الطعام وتنام وتتعب وتفرح وتحزن وهم كذلك! مناظر بسيطة لكنها تشعل الفكر وترفع الحجب عن العقول. يروعنا الله سبحانه فيها بإظهار سلطانه وسلطته ويعلمنا أنه مهما تكاثرت الأموال وتكوّم الذهب فلن تغني عن صاحبها شيئًا والناس عند الله سواسية وأكرمهم من اتقاه وخافه وأطاعه! كل الناس من أصلٍ واحد فلا اعتبار لمالٍ أو جاه!

ثم في ساعة الموت يُحمل الغنيّ والفقير على أكتاف الناسِ ملفوفًا في فوطتين من القطن. يرجع إلى ربه فارغ اليدين، رصيده ما قدمه لنفسه أيام حياته من عمل الخير. أما المال والذهب فيتَناهبه الورثة ويتنعمون به.
نأتي إلى الدنيا ونحن سواسية
طفلُ الملوكِ كطفلِ الحاشية
ونغادر الدنيا ونحن كما ترى
متشابهونَ على قبورٍ حافِية
أعمالنا تُعلي وتَخفض شأننا
وحسابُنا بالحقّ يومَ الغاشية

يذكر في كتب الأحاديث أنه لمّا رجع مولانا زين العابدين عليه السلام من الحجّ استقبله الشِبْلِيّ، فجرى بينهما حوار بديع عن روح أعمال الحج يجده القراء في مظانه وفي آخر الحديث طفقَ الشبليّ يبكي على ما فرّطه في حجّه، وما زال يتعلّم حتّى حجَّ من قابل بمعرفة ويقين.