العمل الفني أم انتظار الوظيفة؟!

صورة الرجل الذي يعمل عملًا فنيًا، في أذهاننا، سواءً أكان بنّاءً، سبّاكًا، نجّارًا أم ميكانيكيًا أنه شخص لا يحمل شهادة جامعية، ويحتاج إلى جهد عضلي كبير لكي يقوم بعمله. أما الواقع فيقول: الدخل من العمل الفنيّ ممتاز، أحيانًا يفوق دخل الوظيفة، لكن مشكلته أنه يحتاج إلى جهد عضلي.
أيضًا نضع في أذهاننا أننا بعد التخرج والحصول على شهادة نرتَدي بدلةً أنيقة وحذاءً جديدًا، ونقود سيارة فاخرة، ونعمل في أروقة مبنى مكتبي لامع. ذلك التصور قد لا يتحقق والحياة الواقعية قد تكون عكس ذلك تمامًا، ولو لبعض الوقت!
من ذكريات عمل البنَّاء، ابن البلد، قبل خمسين سنة، أن جدار دارنا الغربي في جزيرة تاروت لم يكن مستقيمًا وواضح الاعوجاج لأن البنّاء كان كبير السن وعمل بطريقة بدائية. لكن حرفي ومهنيّ اليوم أصغر سنًّا وأكثر دقة من الماضي ولنُجمل كم يستطيع الفنيّ أن يكسب في الشهر الواحد:
إذا استأجرتَ سبَّاكًا أجنبيًا فإن أجرته لا تقل عن 35 ريالًا في الساعة الواحدة، وعليك البحث عن عاملٍ جيد مدة من الزمن وإذا عمل فإنه لا يعطيك الساعة كاملة دون وقت ضائع، وفي أغلب الأحيان يحتاج إلى من يرشده. أما كلفة البنّاء المستقل الماهر فهي أعلى من ذلك بكثير.
العمل المستقل لا يأتي دون سلبيات - الإجازات مدفوعة الأجر، والتقاعد والضمان الاجتماعي، التدريب المجاني - أنت مسؤول عنها وغير ذلك من المخاطر. ليس كل عمل حرّ أفضل من الوظيفة وليست كل وظيفة أفضل من العمل الحر وتكون المفاضلة واضحة في فترة البحث عن وظيفة أو في حال كانت الوظيفة أقل دخلًا من العمل الحرّ! أما المهن السريعة التعلم فهي كثيرة وبالإمكان لشاب أن يتقنها في مدة قصيرة. رحم الله زمانًا كانت السباكة فيه تحتاج إلى جهدٍ ومشقة كبيرين! أما الآن فهي فكّر وارسم ثم قص والصق!
أشياء كثيرة في الحياة لا تنتظر وعلينا المشي نحوها دون تأخر. مما لا شك فيه أنه من الخطأ الكبير عدم العمل بحجة انتظار وظيفة تأتي قريبًا أو بعد حين. مما نلحظه أن أبناء البلد بارعون مثل أي مجتمع آخر، إذا عملوا بأيديهم ينجحون في كل مهنة؛ فمنذ القدم كان فيهم الخياط وصانع المفروشات، وصائغ الحلي والمجوهرات، والخباز والتاجر والحداد والبنّاء والفلاح وغير ذلك من المهن المطلوبة في كل زمان!
أخيرًا؛ إذا قررت أن تجرب حظك في العمل الحرّ فعليك بالصدق والأمانة وجودة العمل ولا تبالغ كثيرًا في الأجرة فإن خير الناس أنفعهم للناس، والرزق يكثر بالسماحة والكرم.