الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مسافر نحو السماء (الجزء الأول)

حسن عرقان · القطيف اليومالأربعاء 4 ديسمبر 2024، 3:42 م
مسافر نحو السماء (الجزء الأول)

هل شعرتم يومًا من الأيام بخيبة أمل تجاه أعز الأصدقاء؟ أم هل سمعتم عن شخص ما أصابه حزن شديد بسبب فقده أعز أصدقائه؟ أعتقد أن هذه الحالة موجودة في كثير من المجتمعات. ولا يختلف فيها اثنان. ولكن تختلف في طريقة ردة الفعل تجاه هذه الحالة.

(جواد) شخص يمتلك ثلة من الأصدقاء عاش معهم منذ الطفولة في قرية صغيرة. وما أجملها من حياة حينما تجتمع مع من تحب من الأصدقاء الذين تعتبرهم أفضل الأصدقاء على هذا الكوكب. كل لحظة يمر بها (جواد) مع أصدقائه يعتبرها من أسعد اللحظات. حيث كانت تتميز بالمرح واللعب وتبادل الأحاديث. وتقارب الأفكار والقناعات. وربما وصل الأمر إلى الطموحات والتطلعات المستقبلية.

(جواد) كان شغوفًا بالأعمال اليدوية فمنذ صغره كان يعمل مع والده في ورشة لتصليح السيارات فاكتسب خبرة في تشخيص أعطالها وصيانتها. حتى أصبح يتفاخر أمام أصدقائه بما يمتلك من مهارات في أعطال وصيانة السيارات كما أنه يكثر الحديث عن يومياته في الورشة.

أما والد (جواد) فكان لا يهتم بمجال الدراسة لأنه لديه قناعة بأن مهنته هي مستقبل ابنه (جواد) الذي حينما يتخرج في الثانوية سيتولى إدارة الورشة. فلا داعي للالتحاق بالجامعة. وهو متزوج من اثنتين؛ الأولى هي (أم جواد) وانفصلا منذ عدة سنوات بسبب زواجه من أخرى. وهذا شائع في بعض المجتمعات حيث لا تستطيع الزوجة الأولى البقاء مع زوجها لمجرد زواجه من أخرى. بالرغم من حبه لها، ولكنه لم يستطع البقاء معها حيث أصبحت الحياة معها لا تحتمل من كثرة المشاكل في المنزل. مع هذا لم تنقطع علاقة الأب مع ابنه (جواد) وابنته (فاطمة) التي تصغر جواد بسنتين. أما الزوجة الثانية فأنجبت له طفلتين وهو يعيش معهم. فمستقبل (جواد) واضح وهو مقتنع به تمامًا لأنه يرى مدى الأرباح التي يجنيها والده من هذه المهنة. ولكن بعد حصوله على شهادة جامعية في مجال الميكانيكا.

في ذات مساء من يوم الخميس تأخر (جواد) عن الورشة حيث وصل بواسطة دراجته النارية الصغيرة التي اشتراها له أبوه للتنقل بها. الأب: لماذا تأخرت يا (جواد)؟ من المفترض أن تكون هنا في الساعة الثالثة. جواد: آسف يا أبتي. بعد أن رجعت من المدرسة وبعد تناولي وجبة الغداء مع أمي وأختي شعرت بتعب فأخذت غفوة، ولم أستيقظ إلا متأخرًا. الأب: متى تتخرج في المدرسة للتفرغ لإدارة الورشة؟ كما تعلم فإني أصبحت كبيرًا وحركتي أصبحت ثقيلة بعد إصابتي في ظهري. جواد: الله يعطيك العافية وطولة العمر يا أبتي. وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك بي. ولم يبق إلا هذه السنة وأتخرج في الثانوية. الأب: بارك الله فيك يا ولدي، اذهب لتلك السيارة وانظر ما هو عطلها وخذ معك العامل (دولال) ليساعدك. فصاحب السيارة سوف يعود بعد ساعة.

هذه هي حياة (جواد) من المنزل للمدرسة وبعدها للورشة وفي الليل يلتقي أصدقاءه، ويوم الجمعة إجازة أسبوعية من الورشة، ويقضي وقته مع الأصدقاء!

(زهير) هو أعز الأصدقاء وأقربهم إلى (جواد) وهذا الأمر كان واضحًا ولا يخفى على بقية الأصدقاء. ولكن لم تكن هناك أية مشكلة في استمرار هذه الصداقة مع بعضهم البعض، ويسكن بالقرب من منزل (جواد). كما أن (زهير) يتميز بالجاذبية لجميع الأصدقاء بسبب شخصيته المرحة والطيبة وحسن الخلق لذلك كان من المتميزين بين الأصدقاء، كما أنه من عائلة غنية في تلك القرية، ويمتلك ما لا يملكه أقرانه من أدوات الترفيه. حيث إن أباه يعمل في شركة البترول برتبة كبير المهندسين. ودائمًا يتحدث عن طموحه في المستقبل بأن يكون طيارًا. وعاش (زهير) جزءًا من حياته في أمريكا منذ طفولته مع عائلته بعد أن حصل الأب على بعثة من شركة البترول حيث أنهى دراسة المرحلة الابتدائية هناك، ولا يخفى على الجميع كيف تكون حياته وتصرفاته مقارنة بأقرانه في القرية فكانت مختلفة تمامًا، ولكنه لم يعتزل الأصدقاء، بل وجدهم مثل الإخوة.

في ليلة من الليالي بينما الأصدقاء في نزهة حول البساتين بالقرية جلسوا يتبادلون الحديث، وإذا بطائرة تحلق في السماء مصدرة ذلك الصوت الذي بدد هدوء السماء، نظر (زهير) للأعلى متمعنًا بتلك الطائرة. جواد ينظر إلى (زهير) وهو في سرحانه ويرفع يده اليمنى ويمررها أمام عين (زهير) وهو يقول: أين ذهبت؟ نعلم أنه طموحك وتريد أن تحلق في السماء بالطائرة، ولكن إياك أن تحلق وحدك فلابد من أن نحلق معك. نحن أصدقاء الكابتن (زهير) أليس كذلك يا أصدقاء؟ تعلو ضحكات الجميع، (محمود) شخصية ذات طابع هادئ ودائمًا ما يسرح ويهيم في عالم الخيال. ويرسم مستقبله بتخيلات تجعل أصدقاءه يضحكون ويسخرون منه لأنه إذا تكلم عن مستقبله يظهر عليه الثقة بالنفس وكأن المستقبل بيده. ويكثر الكلام عن أنه سوف يصبح أكبر تاجر في المنطقة (علمًا بأنه من عائلة فقيرة حيث يعمل أبوه حارسًا في مدرسة البنات بالقرية). ودائمًا ما يتحدث عن عالم التجارة وكيف يصبح الشخص ثريًا من رأس مال صغير. ويذكر أمثلة على أشخاص كانوا فقراء وبعد أول مشروع لهم أصبحوا الآن من الأغنياء. ولكن (جواد) دائمًا يرد على (محمود) أنه لا يمكن أن يكون كل إنسان ناجح من أول مشروع له، والأمثلة على ذلك كثيرة أيضًا، لابد أن تعرف أن التجارة ربح وخسارة، وأيضًا تحتاج إلى شطارة. فهذه الحالة دائمًا ما تتكرر ويفك النزاع (زهير) بتلطيف الجو بدعابة لكيلا تصل الأمور إلى الشجار والزعل لأن كل واحد منهم يصر على رأيه.

(عبد العزيز) شخصية عديمة الثقة بنفسه، دائمًا متذمر من الحالة التي يعيشها وينظر للآخرين الذين هم أفضل منه حالًا ويقيس حاله بهم، وهذا الأمر جعله تعيسًا ومتشائمًا في حياته. ودائمًا يرى الأشياء السلبية ولا يبحث عن الأشياء الإيجابية.

(عبد العزيز) من عائلة ميسورة الحال فأبوه يمتلك محلًا لبيع اللحوم والدجاج والبيض في السوق المركزي للبلدة. فمن الناحية الاقتصادية حالتهم جيدة، ولكن المشكلة تكمن في أن أباه بخيلًا جدًا. ولا يصرف على عائلته إلا الشيء اليسير، وشديد الغضب وأخلاقه سيئة مع أهله، فمن ينظر إلى (عبد العزيز) يرى أنه من عائلة فقيرة بسبب بخل أبيه، مما جعل منه شخصًا يحمل عقدة نفسية من حالة الأغنياء.

ذات يوم اجتمع الأصدقاء في منزل (زهير) حيث يتمتعون بمشاهدة بعض الأفلام الأجنبية على جهاز الفيديو، بينما هم كذلك بالمجلس التفت (عبد العزيز) إلى المكتبة ليجد ساعة يدوية إلكترونية فسأل (زهير) عنها فرد عليه: إنها ساعتي اشتراها لي أبي ونحن بأمريكا هدية نجاحي في المدرسة ولكنها تحتاج إلى تغيير البطارية الآن، ولم أجد الوقت لاستبدالها فوضعتها هنا بالمكتبة، (عبد العزيز) صمت قليلًا وهو يقلب الساعة بين كفيه وتذكر ذلك اليوم الذي طلب من أبيه أن يشتري له ساعة مثلها، هدية نجاحه من الصف الأول متوسط، فقد حضر المنزل وبيده شهادة النجاح وهو فرح مسرور وينتظر المكافأة من الأب كما هو حال بقية الأولاد. ليستقبله الأب فيقول له: مبروك يا ولدي النجاح. فيرد (عبد العزيز): ألا أستحق هدية النجاح يا أبي؟ يدير الأب وجهه ويراوغ في الكلام ويتظاهر بأنه يبحث عن مفتاح سيارته، ويرفع صوته ويصرخ وهو يقول: أين مفتاح السيارة لقد وضعته على الطاولة؟ ألم أقل لكم ألا تعبثوا بأشيائي؟ يا أم عبد العزيز أين مفتاح سيارتي؟ يحك (عبد العزيز) بيده اليمنى رقبته وعينيه في شهادته، وهو يتمتم بصوت ضعيف: كالعادة لا هدية، ويفتعل المشاكل ليخرج من المنزل، ولم يكلف نفسه ويأخذ الشهادة ليتفقد النتيجة. يلتفت (عبد العزيز) لأبيه ويقول: المفتاح في يدك يا أبتي، ينظر الأب لابنه شاهرًا تلك الابتسامة المفتعلة وهو يقول: يبدو أنني كبرت فصرت أنسى بعض الأشياء، يتوجه الأب نحو الباب وهو يقول سأذهب للمحل، سوف تصل حمولة من البيض يجب أن أفحصها مع العامل قبل وضعها في الثلاجات. هكذا هو حال (عبد العزيز). حتى جهازه الجوال من أرخص الأجهزة مقارنة بأقرانه. وقد اشترته أمه لكي تتواصل معه إذا خرج مع أصدقائه، ينتبه لصوت بدد صمته حيث يناديه (زهير) لكي يجلس لتناول العشاء. وصوت (محمود) وهو يقول دعك عنه سنتناول حصته إن لم يجلسً ويضحك الجميع لسرحان (عبد العزيز).

يقترب (عبد العزيز) وعلامات الحزن بادية على محياه، يلتفت إليه (جواد) فيقول له: سلامات يا صديقي يبدو أنك تذكرت شيئًا فحزنت. يضع (عبد العزيز) كلتا يديه خلف رأسه محاولًا إخفاء ما عليه، وهو يقول: أنا، أنا أتذكر؟ تتذكر ماذا يا صديقي؟ يصمت برهة ويقول لا شيء مهم. دعنا نتناول العشاء قبل أن يلتهمه (محمود) يبدو أنه جائع. يعلو صوت الضحكات في المجلس. مع هذا فكان الأصدقاء يحبون (عبد العزيز) ويتعاطفون معه، ودائمًا يكونون حذرين من جرح مشاعره، وخاصة وضعه الاقتصادي مع أبيه.

تسارعت الأيام. وصل الأصدقاء للمرحلة الثانوية وهذه سنة التخرج. والطموح يعانق السماء للالتحاق بالجامعة. وهم كما عهدهم الجميع كأنهم إخوة لا يكادون يفترقون عن بعضهم البعض. إلا أنه حصل تغير في حالة (عبد العزيز) وأصبح لا يخرج معهم إلا القليل. وكثيرًا ما يتعذر للخروج معهم مبررًا بانشغاله في بعض الأمور بالمنزل.

في المدرسة اجتمع الأصدقاء أثناء الفسحة، ولم يحضر (عبد العزيز). (زهير): إن (عبد العزيز) متغيب اليوم عن المدرسة. (جواد): يبدو أن (عبد العزيز) لديه مشكلة مع أبيه، ألا تلاحظون أنه لا يهتم بالدراسة في الفترة الأخيرة وكثرة غيابه عن المدرسة؟ يجب أن نرى ما به، ما رأيكم أن نذهب له اليوم لزيارته بعد عودتنا من المدرسة! (زهير): كنت أريد أن أخبركم شيئًا غريبًا عنه. منذ يومين اتصل بي (عبد العزيز) بعد صلاة العشاء وطلب مني الخروج معه قليلًا، ليخبرني عن أمر! يقول بأنه مهم جدًا. جواد: ما هو هذا الأمر؟ أكمل. (زهير) بالفعل تقابلنا عند بيتنا، والغريب أنه كان مرتبكًا، ويبدو عليه التعب. (محمود) وماذا يريد منك؟ ولماذا لم تتحدث معنا بذلك؟ لعل الأمر خطير! (زهير) الغريب أنه طلب مني مبلغًا من المال. وطلب مني ألا أخبركم بذلك. (جواد) وكم المبلغ؟ لعله يريد شراء شيء ولم يعطه أبوه. (زهير) المبلغ (500 ريال) ويقول إنه بحاجة إليه لأمر ضروري لشراء بعض الأدوية لأمه وهي مريضة وأبوه لم يعطهم المال. ودائمًا ما يلتفت للوراء وكأنه خائف من أمر ما، ويكثر إخراج جواله والنظر فيه وكأنه ينتظر اتصال أحدهم به. وكذلك يحاول التهرب من نظراتي إليه، حتى طلب مني الإسراع بإعطائه المبلغ. لأنه مستعجل لصرف الدواء لأمه. (جواد) وماذا بعد ذلك؟ لقد أخفتني. (زهير) حينما رأيته بهذه الحالة، وهي المرة الأولى التي يطلب مني مالًا. دخلت المنزل وطلبت من أبي المبلغ بعد أن شرحت له حاجة صديقي له، فأعطاني المبلغ وأعطيته إياه.

(جواد) من الضروري أن نذهب لزيارته اليوم، فهو صديقنا، ما رأيكم أن نذهب إليه الساعة الرابعة عصرًا؟ (زهير) ولكنك تذهب للورشة في هذا الوقت. (جواد) لا عليك، المهم أن نرى (عبد العزيز) وبعدها أذهب للورشة. سأخبر أبي أني سوف أتأخر قليلًا. اجتمع الأصدقاء الثلاثة، توجهوا لزيارة صديقهم، أثناء الطريق قال (زهير): سوف أتصل به وأخبره بزيارتنا له. أخرج (زهير) الجوال واتصل به، والبقية ينتظرون الرد.

(زهير): إن الجوال مغلق. (محمود): لنرى ما به هيا بنا، وصلوا عند منزل (عبد العزيز). (جواد) يضغط على زر الجرس. جاء الرد من أم عبد العزيز: من هناك؟ أجاب (جواد) نحن أصدقاء (عبد العزيز) هل هو موجود؟ أم عبد العزيز عرفت (جواد) لبست عباءتها وخرجت لهم وقالت لهم: (عبد العزيز) خرج وقال إنه سوف يذهب لأصدقائه؟ اعتقدت أنه معكم، ألم يكن معكم؟ تفاجأ الجميع من هذا الرد. ونظر كل واحد منهم في وجه الآخر. أجاب (محمود): لم يأت لنا، كما أنه كثر غيابه عن المدرسة، واليوم المرشد الطلابي يسأل عنه لأنه لم يحضر للمدرسة، ومستواه الدراسي تراجع. ونحن قلقون عليه. (جواد): خالة أم عبد العزيز سمعنا من ابنك أنك مريضة عافاك الله. (أم عبد العزيز): مريضة؟ (باستغراب ووجل). هل قال لكم ذلك؟ (صمتت قليلًا واضعة يدها على مقبض الباب وتحركه للأسفل) ثم أردفت بنبرة صوت به بحة: نعم، مريضة وازداد مرضي الآن، أرجوكم ساعدوا ولدي، لا تتركوه في قبضة الوحوش، (وكأنها انكشفت لها حقيقة ما). استدارت ودخلت المنزل وأغلقت الباب، لتجعل الأصدقاء في حيرة واندهاش!

وقفوا أمام الباب برهة من الوقت صامتين وعلى محياهم علامات الاندهاش والقلق على مصير صديقهم (عبد العزيز)، وهم يرددون في أنفسهم من هم الوحوش؟ هل نحن الوحوش؟ (زهير) يكسر حاجز الصمت ويخرج جواله يحاول الاتصال بـ(عبد العزيز)، الجهاز يرن، اقترب الأصدقاء من (زهير) في انتظار الرد. ولكن تنتهي المدة بلا إجابة. (جواد): هيا لنذهب. وفي هذه الأثناء توقفت سيارة فارهة لا يعرف من بداخلها بسبب عتمة الزجاج. وينزل منها (عبد العزيز) في وسط اندهاش من الأصدقاء! نظر إليهم وبسرعة طأطأ رأسه وسار نحو باب منزله وكأنه لا يراهم، غادرت السيارة المكان.

(للقصة بقية).