مع من تفضفض؟!

صادف اليوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر رمضان المبارك إفطارنا في مدينة الرياض، في ضيافة البنيّات، وهذا من النادر جدًّا حيث في شهر رمضان الإفطار في دارنا. لو كان عندنا بساطًا من الريح لذهبنا كلّ يوم!
ليل نهار تجد نفسك تفكر في أشياء وتقول كلامًا في سرك قد لا يكون له معنى سوى أن خزان الهموم والمتاعب فاض ويحتاج إلى تنفيس. لولا الفضفضة وحديث النفس لضَاقت بنا الدنيا في غيابِ من يحفظ الأسرار ويكتمها.
في الدنيا من يفضفض مع نفسه، من يفضفض مع الأصدقاء أو الأطباء النفسيين، من يفضفض مع الشياطين والأبالسَة، ومنهم مع الله الذي لا يبوح لأحدٍ بالأسرار، ولا يسأم من فضفضة عباده له، بل يدعوهم ليناجوه في أنصاف الليالي وما طاب لهم من أوقات. لديه سبحانه وتعالى سياسة الباب المفتوح الذي لا يُغلق ولا يُرد من طرقه ولا يَخيب من طلبه!
لمن عرف الله سبحانه من الأنبياء والأولياء وقفات في الليل. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا: أَتعبي من خدمكِ واخدمي من رفضك، وإن العبد إذا تخلى بسيده في جوف الليل المظلم وناجاه أثبت اللهُ النور في قلبه، فإذا قال: يا رب! ناداه الجليل جل جلاله لبيك عبدي سلني أعطك، وتوكل علي أكفك. ثم يقول جل جلاله للملائكة: ملائكتي! انظروا إلى عبدي قد تخلى بي في جوف الليل المظلم، والبطّالون لاهون، والغافلون ينامون، اشهدوا أني قد غفرت له".
كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكثر القيام والوقوف في العبادة حتى تورمت قدماه، وكان من شدة التعب أحيانًا يستند في وقوفه على إحدى قدميه، ثم يستند على الأخرى حينًا آخر، وحينًا على كعب قدمه، وآخر على أصابع رجله.
في بعض أحوال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يخرج إلى الصحراء ليلًا يطلع على البئر إلى نصفه ويخاطب البئر وله مناجاة طويلة:
وفي الصدر لباناتٌ * إذا ضاق لها صدري
نكت الأرضَ بالكف * وأبديت لها سري
فمهما تنبت الأرضُ * فذاك النبت من بذري
أما حفيده الإمام العابد علي بن الحسين عليه السلام فمما يقول في جوف الليل، إذا هدأت العيون: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلهي غارت نجومُ سمائك، ونامت عيون أنامك وهدأت أصوات عبادك وأنعامك، وغلقت الملوكُ عليها أبوابها، وطاف عليها حراسها، واحتجبوا عمن يسألهم حاجة، أو ينتجع منهم فائدة. وأنت إلهي حي قيوم، ولا تأخذكَ سنة ولا نوم، ولا يشغلك شيء عن شيء، أبواب سمائك لمن دعاك مفتحات، وخزائنك غير مغلقات، وأبواب رحمتك غير محجوبات، وفوائدك لمن سألكَها غير محظورات، بل هي مَبذولات"!
سأل الله نبيه موسى عليه السلام سؤالًا بسيطًا في محبة ولطف: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ}؟ ولأن موسى عليه السلام كان راغبًا في الحديث مع الله أجاب: هي عصاي واستمر في حديثه مع محبوبه الذي فتح له باب المحبة فأضاف: أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي؛ أي أضرب بها على أغصان الشجر وتتساقط أوراقها لتأكلها الأغنام ولي فيها مآرب أخرى.
إذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له باب المحبة فصار الحديث ليلًا أعذب الأصوات فلا صوت الموسيقى ولا صوت المزمار أعذب من صوت الدعاء والفضفضة!
سيدي الفاضل أو سيدتي الفاضلة: تستطيع أن تطلع على ما ذكر في الخاطرة من الأحاديث مباشرة بنفسك من مصادرها المعتبرة.



