الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

السر الثقيل

حسن عرقان · القطيف اليومالسبت 12 أبريل 2025، 9:04 م
السر الثقيل

"إنها كلمة… فقط كلمة، لا غير!"

بغضبٍ خافت ونبرةٍ مستنكرة، انطلقت هذه العبارة من فم (أحمد) وهو يواجه صديقه المقرّب (سالم)، الذي بدا وكأنه تلقّى صدمة لا تُحتمل. جلس مطأطئ الرأس، يحدّق في الفراغ بعينين متّسعتين لا تصدّقان ما سمعه.

ساد الصمت لوهلة، قبل أن يدير (سالم) وجهه ببطء نحو (أحمد)، يرفع يده ويلوّح بها في الهواء، وكأن الكلمات تثقلها.

قال بصوتٍ مهتز: "لا... لا يا أحمد، إنها ليست كما تظن… ليست مجرد كلمة. إنها أثقل مما تتخيل… أثقل من الجبال. هذه الكلمة التي استهنت بها قادرة على تدمير كل شيء بنيته… كل أحلامي انتهت".

نظر إليه (أحمد) باستغراب ممزوج بالضيق: "ماذا تقول؟ أنت تبالغ، يا رجل. الأمر ليس بهذا السوء. (فيصل) لن يتحدث، أعرفه جيدًا. وقد وعدني أن يبقي السر بيننا. لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام."

هزّ (سالم) رأسه بيأس: "منذ عشر سنوات وأنا أحاول أن أدفن ذلك الماضي، أن أبدأ من جديد وسط مجتمع لا ينسى ولا يغفر. نظراتهم تلاحقني، تذكرني دومًا بما كنت عليه. حاولت أن أكون شخصًا مختلفًا… وكلما اقتربت من النسيان، تلاحقني الحقيقة، كجبلٍ يجثم على صدري. حتى دموعي، أخفيها عنهم. أرجوك… أنت كنت الوحيد الذي وثقت به".

سكت للحظة، ثم أضاف بصوتٍ يملؤوه الانكسار: "لم يتبقَ سوى ثلاثة أشهر على زواجي، ماذا لو علمت خطيبتي؟ هل تقبل برجل له ماضٍ كهذا؟ ماضٍ لم ينسَه المجتمع… كيف ستنظر إليّ؟ ماذا لو أخبر (فيصل) أخته؟".

اقترب منه أحمد، وربت على كتفه بلطف. جلس بجانبه، وتنهد بحسرة: "صدقني، لم يكن قصدي أن أخون الثقة. فقط… شعرت بثقل السر، وكنت بحاجة إلى من أتكلم معه. (فيصل) صديقي، وأخذت عليه وعدًا صارمًا ألا يبوح به. أنا أثق به كثيرًا، لكن رغم ذلك، سأتحدث معه مجددًا وأؤكد عليه… لأجلك".

سكت سالم، وأخذ يفرك كفّيه بتوتر. رفع رأسه وقال بنبرةٍ مبحوحة: "جدي كان يقول دائمًا مثلاً شعبيًا: يا ولدي، لا تقول سرك لغالي، لأن كل غالي عنده غالي، ومن غالي لغالي راح تنفضح، يا الغالي".

ثم مسح دمعةً سقطت بصمت… دمعة حملت في طيّاتها كل الخوف من ذلك السرّ الثقيل، الذي تحوّل إلى كابوس يؤرّقه في يقظته ومنامه.

ساد الصمت في المكان قليلاً، حتى مزّقه صوت هاتف سالم بنغمته الرومانسية. نظر سالم إلى جواله، يعرف أنها خطيبته (لجين).

كان لديه إحساس غريب هذه المرة، أطال النظر إلى شاشة الجوال دون أن يجيب… ابتلع ريقه، ثم نظر إلى (أحمد) الذي بدا أكثر توتّرًا، فأشار إليه بيده أن يجيب.

ضغط على زر الإجابة، وببطء قرّب الجوال إلى أذنه، محاولًا أن يبدو طبيعيًا في الرد:
"مرحبًا عزيزتي لجين…" ثم صمت، لأن نبرة لجين كانت مختلفة تمامًا في الرد…

وقف سالم متحيّرًا مما سمعه، يحاول تهدئتها بكلمات: "أرجوكِ، اهدئي… إنه ماضٍ، وأنا مختلف الآن… سوف أوضح لكِ…".

وقبل أن يُكمل حديثه، أقفلت لجين الهاتف، فبقي سالم متسمّرًا، يحدّق في الجوال دون أي حراك… وكأنه غاص في ظلمات لا يعرف الخروج منها.

جلس واضعًا كفّيه على خدّه، وهو يتمتم بصوت خافت بكلمات لم يفهم أحمد منها سوى قوله: "رحمك الله يا جدي…".