الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من مذكراتي2.. عندما يكون «العمر» قنبلة موقوتة في سطر نعي

السيد ماجد الشبركه · القطيف اليومالإثنين 21 أبريل 2025، 4:33 م
من مذكراتي2.. عندما يكون «العمر» قنبلة موقوتة في سطر نعي

قبل نحو سبعة عشر عامًا، كانت الرسائل النصية القصيرة (SMS) هي ذروة التطور في عالم الاتصالات، وكانت خدمة «جوال الترجي» التابعة لنادي الترجي الرياضي في القطيف، واحدة من النوافذ الإعلامية المحلية الرائدة التي تواكب نبض المجتمع وتواصله اليومي، وكنت حينها أدير الأخبار في القسم الاجتماعي، حيث كنا نرسل للناس ما يخصهم من تهانٍ وتعازٍ وأخبار المناسبات، وكنا نعيش لحظة إعلامية استثنائية لم يعرفها من جاء بعدنا في عصر التطبيقات الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

مرت السنوات، وتعاقبت علينا وسائل التواصل، من الصحف الورقية إلى المنتديات، فالمنصات الرقمية الحديثة وصولًا لـ«القطيف اليوم»، لكن بقيت بعض المواقف عالقة لا يمحوها الزمن، مواقف شكّلت مزيجًا من الألم والفرح، الطرافة والحرج، ومواقف كنا نفتخر بأن نكون جزءًا منها حتى وإن كنا مجرد ناقلين للخبر لا أكثر.

ومن المواقف التي لا تُنسى وقد لا تمحى من ذاكرتي ما حييت، موقف طريف، وإن كان في إطار حزين، حيث وصلنا خبر وفاة سيدة كريمة من إحدى بلدات أو مدن محافظة القطيف، جاء الاسم كاملًا، ومعه العمر 57 عامًا، وعادةً لا نذكر الأعمار، إلا إذا تم التصريح بها من ذوي المتوفى، والسبب بسيط، لكنه عميق، فالتجربة علمتنا أن ذلك يفتح بابًا للمتاعب.

ولكن في ذلك اليوم، جاءت المعلومة واضحة، من أحد الأشقاء، فاعتبرنا أن الأمر مقبول، ونُشر الخبر كما ورد، وبعد دقائق، جاءني اتصال «غير عادي»، كما أصفه دائمًا، ما إن فتحت الخط، حتى انطلقت نحوي عاصفة صوتية فيها من الانفعال، ما جعلني أُعيد ضبط السماعة من هول ما سمعت: «أنت من سمح لك تحط العمر؟ أرسلوا تعديل بسرعة قبل لا يصير شي ما يعجبك».

حاولت تهدئة المتصلة وفهم الموضوع، وبعد أن هدأت قليلًا، قالت لي بنبرة أقل حدَّة: «المتوفاة أختي، وهي شابة، والعمر اللي ذكرتوه غلط، أرجو التصحيح».

بصدق، لم أجد حرجًا في طريقة حديثها، أو أسلوبها، فهي صاحبة عزاء، على العكس، تعاطفت معها، ووعدتها خيرًا، ولم أجادلها نهائيًا حتى أغلقت هي الهاتف في وجهي.

اتصلت بعدها فورًا بشقيق المتوفاة، ولم أخبره بما جرى نهائيًا، وسألته إن كان متأكدًا من العمر أو إن كانت هناك ملاحظات، فأجاب بكل ثقة: «نعم العمر صحيح، وهي كبيرة في السن، وقريب الستين، هل اتصل بك أحد؟» قلت له: نعم، فقال: «تجاهل أي طلب، وأي تعديل لا تسويه من نفسك، ارجع لي أنا فقط».

أغلقت المكالمة، وإذا بشقيقة المتوفاة تعاود الاتصال، وكنت مترددًا في الرد، لكن قررت أن أرد عليها، وهذه المرة كانت أهدأ، أكثر لباقة، قالت لي: «أنا أختها، وأكبر منها، أنا فقط أرجو ألا يُذكر العمر، واحذفوا كلمة الحاجة، واكتبوا الشابة».

ابتسمت داخليًا، لا سخريةً من الموقف، بل لأن هذه الحكاية ليست الأولى من نوعها، فقد تكررت بأشكال مختلفة مرات عديدة، لكن ما لفتني في هذا الموقف تحديدًا أن المتصلة التي اتضح لاحقًا أنها الشقيقة الكبرى لم تكن تعترض فقط على دقة الرقم، بل كانت تخشى، بذكاء أنيق، ورغم انها في مصيبة فقد كبيرة، أن يؤدي ذكر عمر أختها إلى انكشاف عمرها هي، بما لا يتناسب مع الصورة التي تودّ الحفاظ عليها، وكأن الرقم الذي كُتب في سطر نعي، كان مرآةً تعكس ما لا تريد أن يراه أحد.

هذه الحساسية، في الواقع، لا تقتصر على النساء، ولا هي مرتبطة بالعمر فقط، بل تتعلق بما يحب كل إنسان أن يظهر عليه أمام الناس، كما يحرص على أناقته، أو يحافظ على هدوئه في المواقف العامة، والحق يُقال، ليست كل النساء بهذا الحرج من العمر، بل كثير منهن يفتخرن به كما يفتخرن بخبرات الحياة، وكذلك، ليس الرجال دائمًا «بعيدين عن الحساسية»، فقد جاءني أكثر من رجل يطلب عدم ذكر عمره في خبر وفاته لو تم نشره في «القطيف اليوم»، رغم أنه ما زال على قيد الحياة.

وهنا لا أنسى موقفًا دائمًا ما أستحضره، فقد كانت والدتي -يرحمها الله- ترفض تمامًا أن نسأل أحدًا عن عمره، وتقول لنا بكل لطف، وكأنها تُلقِّننا قاعدة ذهبية: «لا تسألون عن عمر أحد»، وصدقًا، كلما كبرت، أدركت عمق هذه الكلمات.

وما دفعني لكتابة هذه الخاطرة التي نبشها الزمن، هو سؤال بسيط وجَّهه لي أحد المتابعين مؤخرًا: «ليش ما تذكرون عمر المتوفى أو المتوفاة في خبر النعي؟»، وكنت حينها قد تهرَّبت من الإجابة بدبلوماسية، كما نفعل أحيانًا حين لا نرغب في الدخول إلى منطقة حسَّاسة، لكن ربما أجد في هذه القصة توضيحًا ناعمًا لذلك السؤال، وربما، العبرة أن «الخصوصية» في تفاصيلنا الصغيرة، قد تكون أعظم مما نعتقد، حتى لو كانت مجرد رقم في سطر نعي.

فالاقتراب من هذه المنطقة قد يُفسَّر على أنه فضول زائد، ويزجُّ بالسائل في مواقف لا تُحمد عُقباها، خصوصًا إن كان في وقت غير مناسب، فهو أحيانًا بمنزلة الاقتراب من منطقة «ملغَّمة»، تمامًا كما لو أن أحدهم قد قرر فجأة أن يلتقط صورة سيلفي وسط مباراة ملاكمة، ليكتشف متأخرًا أن الفلاش استفزَّ الملاكم الخطأ.

في النهاية، يبقى «الشاب»، وتبقى «الشابة» حالة شعورية، أكثر من كونها وصفًا رقميًّا، ويبقى العمر، بالنسبة للبعض، مجرد رقم، حتى يظهر في رسالة جوال، فيُقلق القلوب، ويحرِّك الحسابات، ويصنع أزمة، لا في خبر نعي المتوفى، بل في ذاكرة من بقي.