الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

على بُعد خطوة (قصة قصيرة)

حسن عرقان · القطيف اليومالجمعة 9 مايو 2025، 1:59 م
على بُعد خطوة (قصة قصيرة)

لا تقف مثل المتحير الذي أضاع الطريق؛ فلا هو يستطيع الرجوع، ولا هو يتقدم للأمام.

خذ نفسًا عميقًا، واربط جأش قلبك، واستجمع قواك، وركّز بنظرك نحو الهدف الذي حلمت به. إنه أمامك، فقط ارفع قدمك وخذ الخطوة الأولى، سترى أن الطريق سهل، ولا يوجد به أي معوقات أو عثرات.

إنها مجرد أوهام جثمت على عقلك، فجعلتك لا تفكر، وقيود الخوف من الفشل التي قيدت أرجلك، فحولتك إلى تمثال بلا حراك...
– "كلامك صحيح، وأنا مقتنع به، ولكن أخشى أن تُرفض أوراقي مثل بقية الطلبات السابقة..."
– "لا تضيع الفرصة، أنظر خلفك، الكثير ينتظر دوره لتقديم الطلب للحصول على هذه الوظيفة..."
– "أنا متوتر جدًا... العرق يتصبب من وجهي... لا أستطيع التقدم... لا أستطيع... يجب أن أتراجع... أشعر بأنه سيُغمى عليّ..."
هكذا يصارع صالح هذه الأفكار، فهو يتحدث مع نفسه، وكأن شخصًا آخر يرافقه داخل عقله، يشجعه على التغلب على هذا الخوف الذي سيطر عليه.

إنه في صراع بين صوت العقل الذي يحثه على التقدم، وبين العاطفة التي تشده إلى الخلف، تمنعه حتى من اتخاذ خطوة واحدة إلى الأمام.

وقف صالح متسمّرًا وسط طابور طويل، اصطف منذ الصباح الباكر أمام مكتب استقبال طلبات التوظيف في إحدى الشركات. يحتضن ملفه، الذي ضم مؤهله الجامعي من كلية هندسة الحاسب الآلي، وسيرته الذاتية، وكل ما هو مطلوب للتقديم على الوظائف الشاغرة.

ومع كل خطوة يخطوها للأمام، يزداد قلقه وتوتره. تارةً يلتفت للخلف، وتارةً للأمام، حتى إنه تمنى أن يخرج موظف من المكتب ليعلن إلغاء استقبال الطلبات، فيشعر حينها بالراحة وينصرف.

إنه الخوف... والصراع الدائم مع النفس المضطربة، التي أصبحت تخشى كل رفض جديد.

برغم أن صالح تخرج منذ خمس سنوات بتفوق، وحصل على شهادة جامعية من أفضل الجامعات في تخصص هندسة الحاسب الآلي، إلا أنه لم يُقبل في أي وظيفة تقدم لها. ليس بسبب قلة الوظائف، ولا نقص في مؤهلاته، بل بسبب شخصيته الضعيفة، ومظهره الذي لا يعكس كفاءته.
من ينظر إليه يراه غير مهتم بمظهره الخارجي؛ لا شعره مصفف جيدًا، ولا ملابسه تظهره بمظهر حسن. يلتفت برأسه كثيرًا، يعبث في جيوبه، ويفرك يديه باستمرار. مظهره العام يوحي بعدم الترتيب والثقة، كأن كل ما يملك من تفوق أكاديمي قد ضاع خلف جدار من القلق والخجل والخوف من الرفض...

اقترب صالح من مكتب الاستقبال، لم يتبقّ أمامه سوى رجلٌ واحد. كان الدور يقترب ببطء، ولكن في داخله كانت نبضاته تتسارع بقوة، وكأن قلبه قد قرر أن يثور على جسده. حاول أن يسيطر على توتره، أخذ نفساً عميقاً، وأخذ يتمتم بكلمات لا تكاد تُسمع، يكرّر أذكار الصباح وبعض آيات القرآن الكريم، يُسكّن بها الخوف المتزايد في صدره.

كان الصوت في داخله عنيفاً هذه المرة، لا يرحم:
"ماذا حلّ بك؟ هل ستفقد السيطرة وتنسحب؟ لم يتبقَ أحد سواك... إنها فرصتك، لا تُضيعها كما فعلت في المرات السابقة!"
لكن شيئًا في ذاكرته خذله...
فجأة، عاد به الخيال إلى العام الماضي.

نفس المكان، نفس الجدران، ونفس الوجوه المتجهمة. يومها، جلس على هذا الكرسي ذاته، وتقدّم للمقابلة، فقط ليُقابل بموظف استقبله بسخرية، يستهزئ بمظهره، ويضحك على تلعثمه.

هذه الذكرى وحدها كانت كافية لشلّه.
عاد الخوف يضغط على صدره، وكأن الهواء ضاق به.
بينما هو غارق في صراعه الداخلي، جاء صوت واضح من خلفه، رافقه ربتة خفيفة على الكتف:
– "تقدّم، إنه دورك... ألا تسمع؟ التالي؟"
التفت برأسه، وعيناه واسعتان كأنما فاجأه الصوت. أجاب بتردد:
– "نعم... إنه دوري."
تقدّم نحو الباب بخطوات مثقلة. وقف أمامه لحظة، ثم طرق ثلاث مرات. لم يمضِ سوى لحظات حتى جاءه الرد بصوتٍ عالٍ:
– "تفضل... تفضل."
فتح الباب، ودخل. لم تكن عيناه تبصران جيداً من شدة القلق، وكأن الغرفة غارقة في ضباب.
استقبله صوت مألوف:
– "تفضل بالجلوس يا صالح..."
جلس صالح في المقعد المقابل دون أن يرفع عينيه، يضمّ ملفه بين يديه كأنما يتمسك بطوق النجاة. ثم جاء الصوت ذاته، هذه المرة بنبرة أكثر دفئًا:
– "أهلاً بك يا صالح، كيف حالك اليوم؟ ألم تعرفني؟"
رفع صالح رأسه ببطء...
هناك، خلف المكتب، جلس رجلٌ يعرفه جيدًا. فتح فاهه في دهشة خجولة، ثم قال:
– "أنت... سمير؟ زميلي في الكلية؟ مرحبًا بك! لا أصدق أنك هنا..."
ابتسم سمير ابتسامة ودودة وأشار له برأسه:
– "نعم، أنا. أعمل هنا الآن في قسم التوظيف."
أخذ سمير الملف من بين يدي صالح، بدأ يتفحص الأوراق بصمت، ثم نظر إليه نظرة مباشرة وقال:
– "دعني أكون صريحًا معك يا صالح... ملفك ممتاز. مؤهلاتك رائعة. كل شيء هنا يصرخ بأنك الشخص المناسب... لكن هناك مشكلة."
ابتلع صالح ريقه، وقال في محاولة لفهم ما يقصده:
– "هل السبب هو قلة الخبرة؟"
هزّ سمير رأسه بالنفي وقال بثقة:
– "لا، ليست الخبرة. لقد تقدّمت معنا من أول مرة، وقُبلتُ أنا ورُفضتَ أنت. ومنذ ذلك الحين، تتكرر المحاولة، وتتكرر النتيجة.
السبب الحقيقي يا صالح... هو أنت."
صالح شحب وجهه، لم يفهم تمامًا ما يقصده.
تابع سمير كلامه:
– "أنا لا أقول هذا لأحبطك. بل لأساعدك.
انظر إلى نفسك... مظهرك، طريقتك في التقديم، التوتر الذي يسبقك إلى المكان. كل هذا ينعكس على الآخرين.
تخرجت بتفوق، لكنك تظهر بصورة المرتبك، الضعيف، الذي لا يثق بنفسه. وهذا وحده كافٍ ليغلق أمامك الأبواب."
ظل صالح صامتًا، يتلقى كلماته كمن يتلقى صفعة من شخصٍ يثق به.
نعم... لقد وضع إصبعه على الجرح تمامًا. كل ما كان يرفض الاعتراف به، سمعه الآن بصوتٍ واضح وصادق.
قال سمير بعد لحظة صمت:
– "اهتم بمظهرك. غيّر صورتك. دع ثقتك تظهر قبل أن تتكلم. أنت تستحق الأفضل، لكن عليك أن تعلن ذلك أنت أولاً."
نهض صالح ببطء، حمل ملفه. بدا كمن خرج من كهف مظلم للتو. لكن عينيه هذه المرة لم تكن تائهة.
قال قبل أن يغادر:
– "شكرًا لك يا سمير... سأعمل على نفسي. لن أتراجع بعد اليوم."
ثم استدار وخرج.
في الخارج، وقف صالح تحت الشمس، يتأمل السماء الصافية. لأول مرة، لم يشعر بأن الرفض نهاية العالم، بل بوابة لفهمٍ جديد.
لم تعد مشكلته في الوظائف، بل في رؤيته لنفسه.
أدرك الآن أن أول باب يجب أن يُفتح... هو باب الثقة من الداخل.
ومع أول خطوةٍ خطاها مبتعدًا عن المبنى، عرف أنها لم تكن مجرد خطوة على الرصيف...
بل أول خطوة حقيقية نحو نفسه.