الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عدسةُ الزمن وذاكرةُ البلدة

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالجمعة 30 مايو 2025، 8:58 م
عدسةُ الزمن وذاكرةُ البلدة

لا يُمكن الحديث عن الهوية المجتمعية دون التوقّف عند أولئك الذين يحفظون وجوهها من التلاشي، أولئك الذين يأبون أن يُدفن الزمان دون شاهد، وأن تمرّ الحكايات دون أثر. التوثيق ليس فعلاً عابرًا ولا هواية عادية، بل هو نبض من يرفض النسيان، ومقاومة هادئة ضد اندثار التفاصيل. هو حرفة العاشق الذي يرى في الوجوه مأوى، وفي الأزقّة سردًا، وفي الذاكرة كنزًا لا يُفرَّط فيه.

في بلدتنا القديح، تلك البلدة التي تشبه نبضًا قديمًا لا يزال حيًّا في صدور ناسها، ظهر رجال لم يكونوا كتّابًا ولا مؤرخين بالمعنى التقليدي، لكنهم حمَلوا على عواتقهم شرف التوثيق، ورُقي الحفظ، وصدق الانتماء. لا بالكلمات وحدها، بل بعدساتهم، بتعليقاتهم، بلحظاتهم التي التقطوها قبل أن تتبخر من الذاكرة الجمعية. هؤلاء ليسوا مجهولين، بل وجوههم مألوفة مثل شوارع البلدة، مثل المآذن، مثل رائحة الطين بعد المطر.

من بين هؤلاء، يبرز الأخ أبو محمد نوح الجارودي، ذلك الذي لم يكن يحمل كاميرا فقط، بل يحمل احترامًا عميقًا لكل تفصيل من تفاصيل المكان، وذاكرة مصغّرة منقوشة في قلبه قبل أن تُنقش على الصورة. التوثيق عنده لم يكن مجرد نقل صورة، بل احتضان لحظة، ورصد روح، وبناء جسر خفي بين الماضي والحاضر. تراه في كل محفل، في كل زاوية من زوايا الفرح أو التكاتف، يسجّل حضورًا لا يُنسى، كأن عدسته تقول: “أنا هنا لأقول إننا كنا، وأننا لن نُنسى”.

ويوازيه في الحضور الأخ أبو فهد عبد الله إبراهيم الحصار، الذي يمكن وصفه بـ”المُصوّر الجائل”، لا لأنه يتنقل فقط بين الأماكن، بل لأنه يتنقل بين القلوب والوجدان، ملتقطًا اللحظة قبل أن تفلت، مخلّدًا الوجوه قبل أن تبهت في الذاكرة. ذاكرته البصرية لا تقل عن عدسته دقة، يحمل مزيجًا من الدقة والانفعال، وكأن التصوير عنده طقس وجداني، لا مهمة تقنية. هو لا يلتقط صورًا، بل يكتب بلغة الضوء على جدران الزمن.

لكن التوثيق لا يقف عند جيل العدسات الثابتة، بل يمتد بروحه إلى الشاشات الحديثة، حيث ينبثق شابٌ من أبناء البلدة، بسيط في هيئته، عفوي في حضوره، لكنه شديد التألق فيما يصنعه. أبو علي حسين عبد الكريم العبيدان، وجهٌ يشبه نبض الأجيال الجديدة التي قررت ألا تترك الذاكرة عرضة للغياب. برنامجه المصوّر بالفيديو، “رجالات القديح”، لا يوثّق فقط سِيَر كبار الشخصيات من أبناء البلدة وأهلها، بل يفتح نوافذ على ذاكرتنا الشعبية، على الحكايات، على العِبر، على الوجوه التي صنعت مجد البلدة وسرّها وتراثها.

تراه يحمل كاميرته، لا كأداة، بل كجزء من روحه. يسأل، ويبتسم، ويُصغي بتوقير، كأن كل لقاء عنده ليس مادة تصوير، بل شعيرة توثيقية، وشهادة وجدانية على سيرة تستحق أن تُروى. حلقاته ليست مجرد مقابلات، بل هي بوحٌ بين جيلين، وجسرٌ بين زمنين. من لقائه مع الحاج رضي علي حسين أبو شعر، إلى توثيقه لمسيرة الملا محمد عبد الله عبد النبي وغيرها، نُدرك أن هذا الشاب لا يروي فقط ما كان، بل يُمهّد لما سيكون.

وبينما يُقدّم عبر برنامجه توثيقًا بصريًا شفهيًا متكاملاً، فإنه يمدّ في أرشيف القديح فصلاً جديدًا، عصريًا، رقميًا، لكنه متجذّر. ولأن التوثيق عنده لا يُختزل في الأسماء فقط، فقد ذهب إلى الأماكن، إلى المؤسسات القديمة، إلى “مواطير” علي بن رضي، موثقًا بذلك مرحلة خدمية واقتصادية منسية من تاريخ القديح.

ما يصنعه هؤلاء ليس أرشيفًا بصريًا فقط، بل هو حماية للهوية، وللوجدان، وللنسيج المجتمعي. هم يشكّلون طبقة صامتة لكنها فاعلة من البُناة، أولئك الذين يرفعون أعمدة الذاكرة كي لا تهوي أمام موجات الحداثة المتسارعة. كل صورة التُقطت بعناية من أحدهم، وكل مقابلة أُجريت بإخلاص، هي وثيقة، شهادة، نص غير مكتوب، لكنها تنبض بالحياة.

وقد كان بالإمكان أن تضيع هذه اللحظات، لولا وجود عيون لا تنام عن الحنين، وأيادٍ لا ترتخي أمام عبء الحفظ. هذا العمل لا يُقاس بعدد الصور، ولا بعدد المشاهدات، بل بمدى الرسوخ الذي تتركه تلك اللمحات في ذاكرة الناس. الصورة هنا لا توازي الألف كلمة فقط، بل قد توازي عمق الجذور، وطول الامتداد، وعراقة الانتماء.

من يملك الشغف بالتصوير أو التوثيق في القديح لا يُمارس الهواية، بل يعتنقها، يحيا بها، ويتنفسها، كأن الكاميرا امتداد لحواسه، وعدسةٌ ثالثة ترى ما لا تراه العيون العجلى. في زوايا الأفراح، في المناسبات الدينية، في تفاصيل البيوت القديمة، كانت عدساتهم وكلماتهم تكتب التاريخ بطريقتها الخاصة.

وحين نتأمل صورًا قديمة، أو نشاهد لقاءً على اليوتيوب لشخص من رجالاتنا، لا نرى فقط وجوهًا، بل نلمس الزمن، ونسمع الضحكات التي خفتت، ونشمّ روائح الأماكن، ونقرأ تفاصيل العادات، حتى تلك التي لم نعد نمارسها. وهذا سرّ التوثيق، أنه لا يُجمّد اللحظة، بل يبعث فيها روحًا، يعيدها للواجهة، لتقول لنا: “هكذا كنّا، فلا تنسوا”.

هؤلاء لا يتقدمون الصفوف، ولا يطلبون الإشادة، لكنهم يتركون أثرًا لا يُمحى. هم أشبه بجذور الشجرة، لا تراها، لكنك تعلم أن وجودها هو ما يجعل الأغصان تنمو، وتثمر، وتقاوم الريح.

وهنا لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ، لأن كل صورة محفوظة، وكل لقاء موثق، هو بداية لقصة تُروى، وكل موثّق من أبناء هذه البلدة هو ضوء في نفق الذاكرة، يُنير لمن بعده الطريق، ويُعلّمنا كيف نُحب الأماكن أكثر، حين نراها بعيني من أحبّها حدّ التوثيق.

هذه المقالة، ليست إشادة، بل هي واجب. ليست امتنانًا فقط، بل نداء لتقدير من خدموا ذاكرة المكان بصمت وجمال وشغف.

فهل نُنصت؟