الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ما هو الحل؟

عبد الله آل نوح · القطيف اليومالأحد 27 يوليو 2025، 1:07 م
ما هو الحل؟

في زمنٍ ازدحمت فيه المنصات والمجالس، واقترب فيه كل شخص من أن يتحوّل إلى ناقدٍ ومحلّلٍ ومُصلح، يعلو صوت السؤال المعلّق: ما هو الحل؟

سؤال يطرحه الناس كل يوم، حين يرون خللًا في التعليم، أو أزمة في الصحة، أو سلوكًا شاذًا في الشارع، أو تضاربًا في القرارات، أو خطابًا متوترًا في الإعلام… لكن خلف هذا السؤال تتوارى مسؤولية كبرى: من الذي يبحث حقًا عن حل؟ ومن الذي يكتفي بالصراخ؟

تحوّلنا – من حيث لا نشعر – إلى مجتمعٍ يتقن توصيف المشكلات، ويبالغ أحيانًا في تصويرها، لكنه نادرًا ما يدخل منطقة الحلول. نُتقن الشكوى، ونُدمن التحليل، ونُجيد جلد الذات، ولكننا نتوقف عند عتبة الفعل، وكأن مسؤولية التغيير لا تعنينا، وكأننا مجرد جمهور في مدرجات اللعبة.

لنأخذ مثالًا شائعًا: التعليم.
جميعنا ننتقد أداء المدارس، مستوى الطلاب، ضعف بعض المناهج، وتراجع مهارات الخريجين. هذا النقد قد يكون محقًا، بل وضروريًا. لكن أين الحوار الجاد حول الحلول؟ أين المبادرات الأهلية؟ أين مشاركة أولياء الأمور، المتخصصين، الجمعيات، الشركات الداعمة؟ كم من شخص كتب مقالًا، أو أطلق مشروعًا، أو ضغط بطريقة إيجابية لتعديل سياسة تعليمية؟

مثال آخر لا يقل أهمية: الإعلام الجديد.
كثير من الناس يشكون من محتوى بعض البرامج التي تثير النعرات الطائفية أو تروّج للجهل، ويتحدثون عن “برامج المصارعة المذهبية” التي تستثمر في الخلاف، وتحوّله إلى استعراضٍ شعبي. لكن كم من شخص فكّر في إنتاج محتوى بديل، هادف، ينشر الوعي؟ كم من متابع توقف عن دعم هذا المحتوى المسيء؟ كم من مؤسسة ثقافية أو دينية سعت إلى استثمار المنصات لنشر خطاب عقلاني راقٍ؟

الحل لا يأتي من تكرار السؤال، بل من تحمّل جزء من الجواب.

المشكلة ليست في أن ننتقد، فالنقد ضرورة. بل في أن نكتفي به، ونعيش في دائرة الشكوى المستمرة، التي تمنحنا وهم الفهم دون أن تضع أقدامنا على طريق الفعل.

والأخطر من ذلك: أن يصبح البعض متفرغًا لنقض كل حلّ يُطرح، فقط لأنه لم يأتِ من الجهة التي يُحبها، أو لأنه تعوّد على دور “المُحبط الرسمي”.

لا يمكن أن يُبنى مجتمع على ثقافة “أنا أرى الخلل، وغيري يصلحه”.

الوعي الحقيقي هو أن نعرف أن لكل فرد دورًا، ولو صغيرًا، وأن الحل يبدأ من “ما أستطيع أنا أن أفعله”، لا مما “يجب أن يفعله الآخرون”.

يمكنك أن تبدأ بمبادرة تطوعية، أو مقترح رسمي، أو حتى بتربية واعية في منزلك. كل خطوة إيجابية – مهما بدت بسيطة – هي جزء من الحل.

ما هو الحل؟
الحل أن نتحوّل من متفرجين إلى مشاركين. من ناقدين إلى مبادرين. من جمهور في الخلف إلى فاعلين في الميدان.

أن نُربّي أبناءنا على ثقافة السؤال المسؤول، لا السؤال المعلّق.

أن نعيد للناس ثقتهم بأنفسهم، وأن نقول بصوت واضح: “لن تتغيّر الأشياء إن لم نُغيّر أنفسنا”.

“ما هو الحل؟” ليس مجرد عنوان، بل اختبارٌ يومي لنا جميعًا. إما أن نُردده هروبًا من المسؤولية، أو نحوله إلى نقطة انطلاق نحو إصلاحٍ يبدأ بنا… لا بغيرنا.