برق.. من نور فاطمة

لن أنسى تلك الليلة الماطرة. كنت أتأمل السماء المثقلة بالغيوم، والرياح تعصف بي وكأنها تحمل سرا لا أحتمله. فجأة انشق الظلام بومضة برق هائلة، حتى شعرت بالصعق في بصري (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ)، وقلبي يرتجف. لكن في تلك اللحظة لم أر برقًا عاديًا، بل خُيّل إلي بأن السماء كشفت لي بصيصا من النور الأول، لعله انعكاس لنور فاطمة الزهراء عليها السلام، والذي هو سر الوجود وعلة الإمكان.
تقدمت رويدا بفكري إلى أعماق السحابة. فرأيت قطرات الماء وبلورات الثلج تتصادم وتتصارع بلا هوادة، والشحنات تتوزع بين صف أعلى خفيف موجب وتحته صف أثقل سالب، حتى غدت السماء كأنها قلب ممتلئ بالكهرباء الكمومية الساكنة. وعلى غفلة مني، وبقرار خاطف, انطلقت الشرارة الاولى، وتحوّل صراع الكهرباء إلى نور يملأ الآفاق. عندها لمست رسالة السماء, أن كل ضغط وكل ألم، لا بد أن ينجلي عن فرج, وأن ومضة النور قادرة على تغيير مجرى الحياة.
ثم باغتني المشهد من جديد عندما ضرب البرق شجرة قريبة، فاشتعلت نارًا. تملّكني الرعبٌ، وظننتها ستكون النهاية المأساوية لتلك الشجرة البريئة. فجأة انهمر المطر بغزارة، وانطفأت النار شيئًا فشيئًا، بينما لاحظت نفس الجذور تمتص الماء بشغف كطفل عطشان. عندها أيقنت أن ما يبدو موتًا قد يخفي في جوفه حياة، وأن الحريق قد يكون طريقًا اخر للارتواء. إنها حقيقة الوجود, موت تتولد منه الحياة، كما يتمازج النور والظلام.
سمعت همسا، كأن البرق يكلمني مباشرة: “لا تخف من احتراقك الداخلي. ان ما تحمله من آلام وأثقال ليس عبثًا، بل إنها شحنات تنتظر لحظة الفرج. وستغدو يومًا برقا يفتح لك الطريق من جديد” , كانت كلماته تلك تتسلل الى قلبي بلا صوت، وكأن السماء كتبت لي رسالة بمداد من ضوء يحمله البرق الذي نفذ الى أعماق روحي.
رسالة البرق الى روحي مفادها: بان الله سبحانه وتعالى لم يخلق الكون من لا شيء بل ابتدعه لا من شيء كما قالت الزهراء صلوات الله عليها، فالعدم لا يستطيع ان يمنح وجودًا، خلقه بقدرته وعلمه وحكمته. ومن أراد أن يفهم سر البرق، فلينظر إلى نور المبدأ، انه نور فاطمة سر الوجود ودوحة الإمكان وتفاحة الخلد، التي بنورها قامت السماوات والأرض واستقام نظام الكون. إنها الحقيقة التي تجعل للبرق معنى أكبر من الفيزياء، وتجعل لكل ومضة في السماء وصلة بالروح.
عدت من تلك الليلة إنسانًا آخر. لم يعد البرق لي مجرد ظاهرة أرصدها بعين العلم، بل أضحى صحيفة أقرؤها بعين القلب. كلما رأيت ومضة في السماء، تذكرت أن النور لا ينطفئ، وأن كل ظلام مصيره أن يُشق بخيط البرق، وأن وراء كل موت حياة. وأن كل ما في الكون هو ظلّ بل انعكاس للنور الأعظم, نور الزهراء عليها السلام، الذي هو سر الوجود وعلة الإيجاد، ومرآة رحمة الله في الخلق.



