في الأوجام.. من رعشة اليد إلى نهوض الأمل.. زهراء آل جميع تطلق مبادرة «اهتزّ ولا تنكسر» لتمكين مرضى باركنسون

تحوّل حلمٌ راود زهراء آل جميع، ابنة بلدة الأوجام بمحافظة القطيف، إلى مبادرة تحمل اسمًا ورسالة «اهتزّ ولا تنكسر»، مشروع إنساني تسعى من خلاله إلى تمكين مرضى الشلل الرعاش (باركنسون) من الصمود والتكيّف مع تحديات المرض، وتحويل الألم إلى طاقة حياة.
وأوضحت آل جميع لـ«القطيف اليوم» أن المبادرة جاءت امتدادًا لتجربة طويلة عاشتها مع المرض، تحوّل فيها الرعاش من قيد جسدي إلى دافع للتعبير والإبداع، مؤكدة أن الفكرة تمثّل حصيلة سنوات من المواجهة والتأمل والإصرار على تجاوز النظرة النمطية للمرضى.
وقالت: «لم أعد أبحث عن علاج للارتعاش، بل عن مساحة نُعيد فيها لأنفسنا الثقة والقدرة على العطاء».
وعرفت زهراء آل جميع طريقها إلى المرض في مقتبل شبابها، حين لاحظت لأول مرة ارتعاشةً خفيفة في يدها اليسرى أثناء الدراسة، لكنها لم تُلقِ لها بالًا. ومع مرور الوقت، بدأت الأعراض تتفاقم، لتتحول إلى رحلةٍ طويلة من التنقّل بين العيادات والتشخيصات المختلفة، قبل أن تسمع الكلمة التي غيّرت حياتها: «باركنسون».
وتقول آل جميع إن تلك المرحلة كانت الأصعب في حياتها، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد يختبر قواها النفسية والجسدية في كل يوم. إلا أنها اختارت المواجهة بدل الانكسار، فحوّلت الألم إلى درس، والعزلة إلى تأملٍ بنّاء، متكئةً على الإيمان والعلم والقراءة.
وتعلّقت بالقرآن وبالتجويد فاستعادت صوتها الذي خفت، وتعلّمت تقنيات التنفس والتركيز لتوازن بين الجسد والعقل، فبدأت رحلتها نحو الصمود الداخلي.
ورغم اشتداد المرض، لم تتوقف عن التعلم، درست التاريخ، وعلّمت نفسها مهارات التصميم والمونتاج والبرمجة، وبدأت بالكتابة تحت اسم مستعار لتوثّق مشاعرها وتجاربها، حتى أصبحت كلماتها ملاذًا لعدد من المرضى الذين وجدوا فيها صدى لمعاناتهم وأملًا لمواصلة الطريق.
ومع مرور السنوات، أدركت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الشفاء، بل في القدرة على الوقوف كلّ مرةٍ من جديد، وأن الانتصار على المرض لا يعني غيابه، بل التغلّب على أثره.
وبهذا الإيمان، واجهت زهراء المرض بقوةٍ نادرة وإصرار متجدد، حتى غدت قصتها مثالًا يُحتذى لصلابة الإرادة وأن المرض لا يقف أمام الطموح.
من التجربة إلى المبادرة
ومن هذا الإصرار وُلدت مبادرة «اهتزّ ولا تنكسر»، التي تسعى من خلالها إلى ترجمة تجربتها الشخصية إلى مشروع مجتمعي يُعنى بدعم المصابين بالشلل الرعاش، ومساندتهم في تجاوز التحديات النفسية والاجتماعية.
وترى زهراء أن هذه المبادرة هي الوجه العملي للحياة التي قرّرت أن تبدأها من جديد، وهي الخطوة التي تربط تجربتها الفردية بآلاف المرضى الذين يواجهون المعركة نفسها.
وتقوم المبادرة على رؤية واضحة تتمثل في تمكين المرضى من عيش حياة كريمة مليئة بالصمود، وتعزيز قدرتهم على التكيّف النفسي والجسدي والاجتماعي، عبر برامج متنوعة تشمل الورش الفنية، والعلاج بالحركة، والبودكاست التحفيزي، والمبادرات الزراعية، والمقاهي الحوارية الداعمة.
وتضم الخطة ستة مسارات مبتكرة، من بينها «رقص الصمود» كوسيلة علاجية لتحسين التوازن الجسدي والمزاج العام، و«مختبر الابتكار والتكيّف» لتطوير أدوات تسهّل الحياة اليومية لمرضى الرعاش بالتعاون مع مصممين ومهندسين، و«أصوات لا تهتز» كبودكاست يوثق قصص الصمود والنجاح.
كما تشمل الأنشطة «حديقة الأمل» للعلاج بالزراعة والبستنة، وتنظيم جلسات لألعاب التركيز الذهني، وافتتاح «مقهى الصمود» كمكان اجتماعي يجمع المرضى وأسرهم لتبادل الخبرات في بيئة داعمة ومريحة.
وتسعى المبادرة إلى تدريب 20 متطوعًا من أقارب المرضى وذوي الخبرة ضمن برنامج «مرشد الصمود» لتقديم دعم نفسي واجتماعي مباشر، وتنظيم معرضٍ نصف سنوي تحت شعار «تحدي الإبداع» لعرض أعمال المرضى الفنية والحرفية، إضافة إلى تطوير تطبيق ذكي يقدم تمارين حركية وتأملية تفاعلية.
وأكدت آل جميع أن المبادرة لا تزال في مرحلة الحلم والدراسة، وتأمل أن تجد طريقها إلى التنفيذ قريبًا، موضحة أن ما تسعى إليه هو مشروع إنساني ينطلق من تجربة واقعية عاشتها، لا من فكرة على الورق.
وأضافت: «نريد أن يرى المجتمع أن الرجفة ليست ضعفًا، بل بداية للثبات، وأن الصمود خيار إنساني يمكن أن يزرع بالتعاون والأمل».
وأشارت إلى أن «اهتزّ ولا تنكسر» ليست مبادرة علاجية فحسب، بل منصة وعي مجتمعي تهدف إلى إعادة تعريف صورة مريض الباركنسون باعتباره قادرًا على الإبداع والعطاء.
وقالت: «نسعى لأن تكون هذه المبادرة مشروعًا وطنيًا متكاملًا يدار باحتراف ويُقاس أثره الإنساني بدقة».
واختتمت زهراء آل جميع حديثها بالتعبير عن أملها في أن يجد هذا الحلم طريقه إلى الواقع، عبر المؤسسات المهتمة أو الجمعيات ذات العلاقة، ليكون أكثر من مجرد فكرة علاجية، بل نافذة إنسانية تنبثق من تجربة معاشة، وتساعد من يواجهون ذات التحديات على اكتشاف قوتهم من جديد، وقالت «اهتزّ… ولا تنكسر، لأن الحياة تبدأ حين نختار النهوض».



