في «أبيض وأسود»… الحنان هنيدي تُحوّل الخامات البسيطة إلى حكاية بصرية عن النقاء والتناقض

شاركت الفنانة التشكيلية الحنان هنيدي في النسخة الرابعة من معرض «أبيض وأسود» بعملٍ بصري اعتمد على مزج الخامات ومحاورة الملمس، لتقدّم لوحة لا تكتفي بالثنائية اللونية التقليدية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك عبر بناء تركيبات طبقية تستحضر النقاء من جهة، وتبرز التناقض الحاد بين الضوء والظل من جهة أخرى.
وقدّمت هنيدي عملاً يعتمد على التكوّن العضوي للعناصر، حيث توزّعت تكوينات دائرية أقرب إلى الأزهار المتحولة على سطح اللوحة، بعضها داكنٌ خشن الملمس يتخذ هيئة كتل متماسكة، وبعضها الآخر ناصع البياض يذكّر بالضوء حين يشقّ طريقه وسط العتمة.
وبرز حضور اللؤلؤ كعنصر محوري يضيف بعدًا رمزيًا، فيحضر كعينٍ صامتة أو نواة داخل كل تكوين، وكأنه يشير إلى جوهر الأشياء الذي يبقى ثابتًا مهما تغيّرت أشكالها.
واشتغلت هنيدي على إدخال عناصر نسيجية ناعمة تضيف حركة خفيفة إلى اللوحة، مثل الشيفونات والأشرطة الحريرية التي تنساب فوق السطح، وكأنها تحاول أن توازن خشونة التكوينات السوداء بحضورٍ مفعم بالأنوثة والخفة.
وتبدو هذه الخامات كامتدادٍ لروح العمل التي تجمع بين البساطة والعمق، وتحوّل المواد اليومية إلى رمزٍ للحضور الإنساني القادر على التلطّف حتى في أشد درجات التناقض.
واعتمدت الفنانة على توزيع العناصر في مسار بصري متعرّج، يبدأ من البياض المتوهّج، ثم يمرّ عبر تقاطعات من الخامات الداكنة قبل أن يعود إلى نقطة تلتقي فيها الزخارف والدانتيل مع اللآلئ، في حركة تُذكّر بدورة الحياة بين القسوة والنعومة، وبين الانطفاء والوميض.
وتظهر في العمل حساسية واضحة تجاه العلاقة بين اللون والملمس، إذ جاءت السطوح السوداء غنية بالطبقات وكأنها تخرج من الأرض، بينما جاء الأبيض كمساحات منفتحة تتيح للعين أن تلتقط أنفاسها. وخلق هذا التناوب توازنًا بصريًا يتيح للمشاهد اكتشاف مستويات عديدة للتجربة، ما بين التحليق والانغماس، وما بين اللمعان والانطفاء.
وجاءت مشاركة الحنان هنيدي ضمن أعمال معرض «أبيض وأسود» الذي تنظمه جماعة الفن التشكيلي بالقطيف بالتعاون مع نادي آرت سما للفنون البصرية، وبالشراكة مع مشروع الرامس الثقافي، حيث يستقبل المعرض زوّاره في المركز الثقافي بوسط العوامية حتى الاثنين 17 نوفمبر 2025م، مقدّمًا أكثر من أربعين تجربة تتراوح بين الرسم الواقعي، التجريد، الأعمال التركيبية، والمنحوتات، جميعها بلغة الضوء والظل وثنائية الحياة التي لا تنفصل عن الإنسان.




