الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

25 سنة مسيرة مهنية وتحولات مرحلة..

باسم آل خزعل · القطيف اليومالثلاثاء 30 ديسمبر 2025، 11:10 ص
25 سنة مسيرة مهنية وتحولات مرحلة..

ليس كل اتصال عابرا… فبعضها يحمل بين نبراته سيرة عمر كاملة، ويوقظ أسئلة موجعة عن العدالة والوفاء والمعنى الحقيقي للنجاح.

اتصال من شخص عرفته منذ مقاعد الدراسة، محبوبا بخلقه، رفيعا في أدبه، منافسا لأقرانه في تحصيله العلمي، ولامعا في مسيرته المهنية. بدأ حديثه بتحية صادقة، واستعادة ذكريات الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ثم أجملها أيام الجامعة، تلك السنوات التي صاغت الأحلام، وبشرت بالمستقبل، وربطت القلوب قبل الشهادات.

روى لي بفخر يوم تخرجه، حصوله على مرتبة الشرف، ثم التحاقه بوظيفة مرموقة كانت حلم الكثيرين. خمسة وعشرون عاما قضاها بين الكفاح والنضال، صعد خلالها درجات النجاح، وأسهم في بناء كيان إداري متين، ووضع أنظمة، و طور هيكلة، ودرب كوادر أصبحوا اليوم في مواقع قيادية. كان جزءا من كل إنجاز… وظل شاهدا على كل تحول.

لكن نبرة صوته تغيرت فجأة. صوت مبحوح، مثقل بخيبة لا تخفى. أخبرني أنه قدم استقالته.

ليس فشلا، ولا عجزا، ولا قلة عطاء… بل لأن المكان تغير. لأن التقدير غاب، والعدالة غيبت، وأصبح الإخلاص عبئا، والخبرة تهمة. توقفت العلاوات، وتلاشت الترقيات، وتحولت سنوات العطاء إلى مجرد وظيفة “استشارية” بلا أثر ولا قرار، سوى راتب لا يوازي الجهد ولا يحفظ الكرامة.

حلت الشللية محل الكفاءة، وتقدّم قليلي الخبرة قبل اكتمال نضجهم المهني إلى مواقع قيادية، بينما بات هو المرجع الخفي، يوجههم في كل صغيرة وكبيرة، دون اعتراف أو تمكين. شعر أنه أصبح غريبا في مكان بناه بيديه، وكأنه رجل طاعن في السن… رغم أنه لم يتجاوز الخمسين.

عندها، اتخذ قراره الأصعب: أن يحفظ كرامته وصحته قبل أن يستهلكه مكان لم يعد يشبهه. قال لي في ختام المكالمة:
“كم هي الحياة قصيرة… في غمضة عين يمضي العمر، دون أن يلتفت أحد لما قدمته.”

هذه القصة ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع إداري مؤلم، تهدر فيه الخبرات، وتقصى الكفاءات، ويكافأ الولاء للأشخاص بدل الإخلاص للمؤسسات. واقع لا يخسر فيه الأفراد وحدهم، بل تخسره المنظمات حين تفرط في عقول صنعت نجاحها.

التقدير ليس رفاهية، والعدالة ليست خيارا، واحترام الخبرة ليس منة. فالمؤسسات التي لا تحفظ جميل من بنوها، تحكم على نفسها بالهشاشة مهما بدت قوية.

غادر صديقي بصمت.. لكن صدى قصته يجب ألا يمر بصمت. لأن الوفاء حين يهمل، يصبح الرحيل هو الخيار الأكرم.