خارج حسابات الزمن

في فترة معينة من حياة الإنسان، يتوقف عن ملاحقة عمره، ويكف عن مراقبة سنينهِ، ما مضى منها وما يتمنى أن يبقى ، هي تلك اللحظة التي يدرك فيها أن الحياة ليست سباقاً مع الزمن، بل هي مسافة تُقاس بالكيف لا بالكم .
هي اللحظة التي يحجم فيها عن المقارنة بين عمره وأعمار الآخرين ، فلا يهمه إن كان أكبرهم أو أصغرهم، وأن يتوقف عن تحويل تاريخ ميلاده بين الهجري والميلادي ليختار الرقم الأقل، وكأنه يهرب من الحقيقة التي لا مفر منها غداً .
يتوقف عن رصد الفروقات الصحية والطاقة ، والقدرة البدنية والعقلية، وكل ما يحاول به إثبات جدارته الحياتية، وعليه أن لا يخجل من أن يكون على حقيقته ، و يدرك أن الجمال الحقيقي هو جمال الروح ونقاء السريرة .
تأتي تلك اللحظة التي يوقن فيها أن العمر هو ما يعيشه الآن فحسب، وأنه لم يعد يرهق نفسه بالتفكير والتحليل .
فمثلاً لو سأل أحدهم كاتب المقال هنا : كم عمرك ؟ ، فسوف أرد وأقول :
عن أي عمر تسأل ؟ عما مضى؟ فذلك قد طُوي وهو في حكم الله..
عما بقي؟ فذلك غيب لا يعلمه إلا ربي ..
وأما العمر الحقيقي فهي اللحظة التي أعيشها الآن، والأعمار بيد الله عز وجل لا بيد غيره .
إنها الحكمة، والتي تدفع المرء نحو رغبة العيش بسلام تام ، مع ذاته، ومع الآخرين ، لأن هناك مرحلة من العمر تتطلب منه الراحة النفسية، فهو يختار الابتعاد عن الضجيج، حيث أصبح الصمت في قاموسه أبلغ من الكلام، والتغافل أرقى من المواجهات العقيمة ، وصار يدرك أن الدخول في الصراعات الجانبية التي تدفع على التوتر ليس لها من نتيجة إلَّا استنزاف طاقته ، في وقت يبحث فيه عن الهدوء ، ذلك لأنه يريد أن يعيش هذه الفترة الجميلة من حياته بعيداً عما ينغصها ، "وكل فترات العمر جميلة" إذا ما أراد الإنسان أن يجعلها كذلك ، بل ويحاول أن يدفع كل مرحلة لتكون أفضل وأجمل من سابقاتها .
عليه في تلك المرحلة أن يعمق الروحانية داخل قلبه، لتكون السجادة مسجده، والمحراب كهفه ، وأن يلقي عليهما جميع أثقاله وهمومه ومطالبه ، ليجد في مناجاة ربهِ عز وجل أنساً يغنيه عن ضجيج الخلق، وطمأنينة تجعل العالم وما فيه يبدو صغيراً جداً في عينيه .
عليه أن ينحاز بروحه وقلبهِ ومشاعره إلى دفء العائلة ، فيرى فيها الملجأ ، وبين التفاف الأبناء واحتضان الأحفاد ربيعاً يتجدد في خريف عمره، ويستعيض بصدق مشاعرهم عن زيف المجاملات الباردة .
عليه أن يراجع دائرة الذين حولها وينخلها، فلم يعد يعنيه كثرة العدد، بقدر بقاء الصفوة ، أولئك القلة الذين يشبهون روحه، ولن يرى منهم إلا الود والصفاء ، والصدق ، وحسن المعشر .
إن الوصول لتلك المرحلة يستلزم الحكمة والرزانة ، لا أن تستنزف ما بقي منك بما لا يليق بك ، فالعمر الحقيقي لا يحسب بعدد السنين ، بل هو بحجم الطمأنينة التي تسكن القلب، وقدرة المرء على أن يغمض عينيه في نهاية يومه وهو في تصالح تام مع ربه، ونفسه، والعالم.. مدركاً أنه ليس رقماً بلا قيمة ، بل أثراً جميلاً وقيمة عالية جداً في ميزان الحياة.



