هل تؤثر زراعة القلب على هوية الإنسان؟

ماذا لو استيقظ إنسانٌ بقلب شخصٍ آخر… هل يبقى هو نفسه؟ أم تتغيّر أفكاره ومشاعره وهويته مع أول نبضة جديدة؟
تؤكد العلوم الطبية الحديثة أن زراعة القلب تنقذ الحياة بإذن الله، لكنها لا تنقل هوية الإنسان أو دينه أو أفكاره أو شخصيته إلى شخص آخر.
ويظن بعض الناس أن القلب إذا نُقل من شخص إلى آخر فقد تنتقل معه صفات صاحبه أو مشاعره أو أفكاره، حتى انتشرت قصص توحي بأن القلب يحمل الذاكرة والهوية الإنسانية كاملة. لكن الدراسات الطبية الحديثة لم تثبت ذلك، مع الإيمان بأن العلم البشري يبقى محدودًا، وقد تكون هناك أمور لم يُكشف بعض علمها بعد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفي هذا السياق يقول الله تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
والقلب المذكور في الآية له شأن عظيم، وقد اختلف العلماء في فهم المقصود به؛ هل هو القلب العضوي المعروف، أم مركز الإيمان والوعي والإدراك المرتبط بالروح والنفس أم غير ذلك؟ وهذا علمه الكامل عند الله سبحانه وتعالى، والراسخون في العلم.
أما من الناحية الطبية، فالقلب عضو حيوي يقوم بضخ الدم إلى أنحاء الجسم، بينما ترتبط الذاكرة والتفكير والشخصية والإدراك بالدماغ والجهاز العصبي. ولذلك يبقى الإنسان بعد زراعة القلب هو نفسه؛ يعرف أهله، ويتذكر حياته، ويحافظ على لغته ودينه وأفكاره وسماته النفسية التي عاش بها قبل العملية.
وقد تابع الأطباء حالات كثيرة لأشخاص خضعوا لزراعة القلب من مختلف الأعمار والثقافات والأديان، ولم يُلاحظ انتقال حقيقي للأفكار أو الطباع أو العقائد من المتبرع إلى المريض، لأن الذاكرة والتجارب والوعي العميق ترتبط بالدماغ.
أما ما قد يلاحظه بعض المرضى من تغيرات نفسية أو عاطفية أو ضعف مؤقت في الذاكرة، فغالبًا يكون بسبب الظروف الصحية الصعبة أو الأدوية أو تأثير العمليات الكبرى على الجسم، وليس لأن القلب نقل معه شخصية إنسان آخر.
ولو كانت الشخصية تنتقل مع القلب فعلًا، لوجدنا مرضى زراعة القلب يستيقظون بلغات لا يعرفونها، أو بعقائد وطباع مختلفة تمامًا، وهذا ما لم تثبته الدراسات الطبية ولا الواقع العملي.
وقد يشعر بعض المرضى بعد العملية بتقدير أكبر للحياة أو تغير في بعض المشاعر والسلوك، وهذا أمر طبيعي نتيجة التجربة القاسية التي مروا بها، وليس دليلًا على انتقال روح أو أفكار المتبرع.
فالإنسان ليس مجرد قلبٍ نابض، بل هو عقل وروح وتجارب ووعي وذاكرة متراكمة عبر السنين. والقلب رغم عظمته وأهميته يبقى عضوًا يؤدي وظيفة حيوية عظيمة، أما هوية الإنسان وشخصيته وعقله ووعيه فتبقى مرتبطة بما أودعه الله فيه من عقل وإدراك وروح، لا بمجرد انتقال عضوٍ من جسدٍ إلى آخر.



