كُفَلاءُ النُّور

تتفاوت العلاقات بين البشر في وجوهها— فهناك أبوة وأخوة وصداقة وقرابة — غير أن الكفالة تبقى من أرقِّ هذه الروابط وأثقلها مسؤولية. فهي ليست نسبًا يفرضه الميلاد ولا صحبة تجمعها المصادفات وإنما عهد يلتزم فيه إنسان بحفظ إنسان آخر ورعايته والوقوف إلى جواره حين تضيق المسالك وتتزاحم المحن.
ولهذا تتوقف الذاكرة طويلًا عند الكفلاء العظام في تاريخ الرسالات لأنهم حملوا أمانات ارتبط بها مصير أجيال كاملة.
وحين نتأمل كفالة زكريا لمريم عليهما السلام نجد أن القرآن لم يذكرها عرضًا إذ جعلها جزءًا من قصة الاصطفاء فمريم كانت تكبر وتنمو تحت عين نبي وتترعرع في رعاية رجل يعرف قيمة الرسالة قبل ظهور معالمها فالكفالة كانت احتضانًا لطهارة أرادها الله أن تبقى بعيدة عن شوائب البيئة وتقلبات النفوس وما كانت تلك الكفالة طعامًا وشرابًا ومأوى . ولهذا جاء ذكر المحراب والرزق والقبول الحسن في سياق واحد لأن الكفالة الصادقة تصنع مناخًا آمنًا تخصب وتزهر فيه الأرواح كما تخصب وتزدهر الأجساد.
ثم تمضي الأيام ليظهر نموذج آخر من الكفالة مختلف في الصورة وعظيم في الأثر.
في بيت أبي طالب (ع) نشأ نبي الله محمد صلى الله عليه وآله بعد أن فقد جده عبد المطلب. كان طفلًا فقد أباه قبل أن يراه ثم ودّع جده الذي أحاطه بعطفه فانتقل إلى كنف عمّه أبوطالب وهنا تتجلى عظمة الكفالة حين تتحول من واجب عائلي إلى مشروع عمر كامل.
لم يعتنِ أبو طالب بابن أخيه سنوات معدودة ثم يسلّمه للحياة ولكنه لازمه حتى آخر أيامه. رآه طفلًا ثم شابًا ثم رسولًا يحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية. وعندما اشتدت المواجهة بين النبي وقريش لم يبحث عن سلامته الشخصية ولم يساوم على ابن أخيه لقاء مكانة أو جاه إذ جعل من نفسه سياجًا يحيط بالرسالة وصاحبها معًا.
ومن يقرأ تلك المرحلة يدرك أن الكفالة تبلغ منزلة عالية وتحولها إلى حماية للفكرة التي يحملها المكفول. فليس كل أحد يستطيع أن يشارك في الجوع والحصار والمقاطعة والمشقة من أجل إنسان يؤمن بأنه صاحب حق.
غير أن كربلاء تكشف وجهًا آخر للكفالة يحمل طابعًا خاصًا يكاد ينفرد به العباس ابن علي عليه السلام.
فهنا لا نتحدث عن طفلة تحتاج إلى رعاية ولا عن يتيم يحتاج إلى مأوى فنحن نتحدث عن فخر المخدرات زينب بنت علي عليهما السلام.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فزينب عليها السلام لم تكن بحاجة إلى من يصنع شخصيتها ولا إلى من يوجه عقلها ولا إلى من يحدد لها طريقها. فهي ابنة بيت النبوة وتلميذة أمير المؤمنين علي ووريثة فاطمة الزهراء وصاحبة بصيرة يعرفها كل من يقرأ سيرتها.
ومع ذلك بقي العباس كفيلها.
هذه النقطة وحدها تكفي لفتح باب واسع من التأمل.
فالكفالة ليست دائمًا رعاية ضعف وقد لا تكون رعاية حاجة وقد لا ترتبط بصغر سن أو قلة حيلة فأحيانًا تكون الكفالة رعاية مقام وصيانة مكانة وحفظ أمانة.
ومن هنا يمكن فهم العباس سلام الله عليه فهمًا أعمق. فهو لم يكن مجرد أخ يرافق أخته في سفر فالأخوة وحدها لا تفسر هذ الملازمة والحضور المتواصل في تفاصيل المشهد الحسيني. كان يرى نفسه مسؤولًا عن أمانة أودعت في قلبه قبل أن توضع في يده. ولهذا ظل حاضرًا حول الخيام وحول الأطفال وحول النساء وحول كل موضع يمكن أن تتسلل منه المخاطر.
وحين يُذكر العباس يتجه الذهن غالبًا إلى البطولة في ساحة القتال مع أن جانبًا آخر من عظمته قد لا يقل شأنًا عن ذلك كله وهو جانب الرعاية. فالناس تحفظ أسماء كثيرة خاضت الحروب أما الذين حفظوا القلوب في خضم الحروب فعددهم أقل ولهذا لم يصبح العباس رمزًا للشجاعة وحدها.
صار رمزًا للاعتماد.
وعند ذكر اسمه تتداعى إلى الأذهان معاني الأمان والوفاء والنجدة وحفظ العهد.
وما يلفت النظر في كفالة العباس أنها لم تُعرف من وصف قاله عن نفسه ولا من عهد دوِّنت حروفه وإنما عُرفت من طريق سار فيه حتى نهايته بأخلاص.
فهناك من يترك للناس كلامًا يذكرونه عنه وهناك من يترك لهم موقفًا يقرؤونه كلما ذُكر اسمه.
والعباس من الصنف الذي جعل أفعاله تتحدث عنه قرنًا بعد قرن ولا زال.
ونسأل هنا.. لماذا احتاجت زينب إلى كفيل وهي زينب؟
هنا تتكشف خصوصية هذه الكفالة..
فمريم عليها السلام كانت في مقتبل العمر حين كفلها زكريا عليه السلام.
والنبي صلى الله عليه وآله كان طفلًا يتيمًا حين كفله عمه أبو طالب.
أما زينب فلم تكن طفلة ولم تكن يتيمة ولا عاجزة ولم تكن بحاجة إلى من يصنع شخصيتها أو يوجه عقلها أو يرسم لها طريقها فقد كانت زينب بنت علي وفاطمة وصاحبة المكانة التي يعرفها التاريخ جيدًا.
ولهذا فإن كفالة العباس لها لم تكن كفالة ضعف يحتاج إلى من يسنده لكنها كفالة حمل ثقيل قادم كانت الأيام تخبئه في الطريق. وكأن عليًا عليه السلام كان يقرأ المشهد وما ينتظر ابنته الحوراء زينب عليها السلام خلف السنين.
يرى الطريق الممتد من المدينة إلى كربلاء ومن كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام.
ويرى الأعباء التي ستتساقط تباعًا على كتفيها.
وأن في هذا الدرب من الأوجاع ما يحتاج إلى قلب يرافقها قبل أن تحتاج إلى سيف يحميها.
ومن هنا تبدو كفالة العباس في صورة أعمق من معناها المتداول فلم يكن مكلفًا بأن يحفظ أخته من الحياة وإنما أن يحمل معها جزءًا من أثقالها حتى يبلغ بها الموضع الذي ينتهي عنده دوره ويبدأ دورها.
ولهذا لا تبدو اللحظات الأخيرة من حياة العباس عند العلقمي حدثًا عسكريًا فحسب ففي تلك اللحظة راح السند الذي رافق زينب أعوامًا طويلة.
ومن هنا ليس غريبًا أن يستقر لقب كفيل زينب في الوجدان قبل أن يستقر في كتب السِّير فالألقاب العظيمة لا تولد من الكلمات وإنما تولد من أعمارٍ كاملة صُرفت وفاء لعهد لم يتراجع عنه صاحبه حتى آخر لحظة.
وهكذا تبدو الكفالات الثلاث متشابهة في ظاهرها مختلفة في سرِّها ومضمونها.
فزكريا كفل مريم فحفظ الله به طهرها.
وأبو طالب كفل نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله فحفظ الله به رسالته في سنواتها الأولى.
أما العباس فقد كفل زينب لا لتكبر تحت رعايته ولا لتقوى بوجوده وإنما ليكون معها في ذلك الطريق الذي لم يكن يشبه أي طريق.
ولهذا بقيت كفالته حاضرة في الوجدان أكثر من كونها حادثة في التاريخ لأنها ارتبطت بامرأة حملت بعد عاشوراء أمانة البقاء وبرجل حمل قبل ذلك أمانة المواساة.
وحين يُذكر كفيل زينب لا يُستحضر موقف واحد من مواقف كربلاء كونه يستحضر عمر كامل من الوفاء بدأ بعهد عند أبيه أمير المؤمنين عليه السلام وانتهى عند شريعة الفرات وبقي أثره ممتدًا في القلوب جيلاً بعد جيل.



