معًا في السرّاء والضرّاء!

كيف يصبح العالم إذا تخلى الإنسان عن مشاعره فأصبح لا يفرح لفرح غيره ولا يحزن لحزنه؟ سيتحول العالم إلى عالمٍ جافّ يتعامى فيه الجار عن مصيبة وفرح جاره ويتعامى ابن البلد وابن الوطن عن مصيبة أو فرح ابن بلده وابن وطنه.
في هذه الخاطرة القصيرة أخبركَ عن فضيلة جميلة في مجتمعنا. فضيلة اسمها "تكاتف". فضيلة لا تحتاج إلى قاموس لغة لكي نعرفها. في أبسط معانيها تعني التضامن والتعاون، فإذا الحمل الثقيل تناولته أيادي الرجال صار أخفّ من القطن.
نحزن إذا حزن أحد، نفرح إذا فرح أحد. تعال انظر كيف يتداعى الناس في مواساة غيرهم! إذا نزلت بأحد، لا سمح الله، مصيبة يتداعى له المجتمع كله بالمواساة. الكل يحضر ليواسي، لا تعرف أسماءهم وربما لم تر وجوههم من قبل إلا أن ما أصابك أصابهم جميعا.
أذكر لكم مثالًا واحدًا وإن كنتم تعرفونه. في بعض الأيام يتوفى أكثر من شخص، أو في البلد أكثر من عزاء، وكل عزاء تذهب له تجد معزين كثر! من أين جاء هؤلاء في كلّ مكان؟ لولا أنهم يشعرون بالحزن لجارهم أو صديقهم أو أبن بلدهم ما حضروا بكثافة في حر الصيف اللاهب!
إن الفضائل التي بناها الدين والأعراف الطيبة جعلت من مجتمعنا يصل وجعه إلى أبعد نقطة فيه ويصل صوت فرحه إلى أبعد نقطة فيه. هذا أقل مقدار من "الواجب" الإنساني.
تماسك المجتمع لا يُقاس بعدد ناسه، لا يقاس بوحدة "النيوتن" أو الكيلوغرام ولا بعملة نقد. إنما يقاس بوقوف المجتمع صفًّا واحدًا عند الضرورة. إذا رأيت ذلك فاعلم أنك تقف أمام مجتمع ذو فكر. تقف أمام مجتمع مؤمن، يتحلى بالنخَوة والنجدة الأصيلة.
كأس المصاعب والامتحان في الدنيا يشرب منه كلّ أحد وفيه بشارة لمن يصبر. وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ! من هم الصابرون؟ بشرهم بماذا؟ ليس تفسيرا للآية الكريمة إنما استئناسًا بها؛ بشر الذي فقد ابنه وصبر، فقدت ابنها وصبرت، كلّ من كان عنده نسمة حبيب أو عزيز ثم غابت.
في المصيبة لا يقف الإنسان على الحياد. كلمته تنفع المألوم ويشفى من ألمه، تعاطفه يخفف من وجع المألوم. وليعلم الإنسان أن من يقف مع الناس في محنهم يقف الناس معه في محنه.



