حكاية نسرين

وصلنا مدينة تلسا - ولاية أوكلاهوما - مطلع شهر يناير ١٩٨٠م، برد و ثلج وشتاء. صادف بعد مدة قصيرة أن تعرفنا على مجموعة من مدينة صفوى. مجموعة أطيب من الطيب؛ حبيب، علي، علي، والثلاثة المرحومين علي وعثمان وأحمد وغيرهم. كانت نسرين للتو طفلةً صغيرة يحملها أبو نسرين، حبيب، على كتفه.
قبل خمسة أيام تقريبا نشرت صحيفة "القطيف اليوم" الخبر التالي:
انتقل إلى رحمة الله الشابّ حسين علي محمد عبد الواحد الصفواني، أثر حادث سقوط طائرة، من أهالي صفوى.
والدة الفقيد: نسرين حبيب أحمد أسعيد
تاريخ الوفاة: الأحد ١٣ محرم ١٤٤٨ هجرية.
في ستة وأربعين سنة كبرت نسرين. نسرين الطفلة الصغيرة كبرت وتزوجت وصار لها ولد مثل القمر. كبر الولد وكما رأيتُ جدّه - حبيب - يوم كان شابًّا، حفيده أيضًا من أطيب الشبان، تعلم وحفظ القرآن الكريم وعمل مع شركة أرامكو السعودية. في مجلس العزاء سمعتُ من الخطيب كلامًا طيبًّا عنه.
في مقابلة مع قناة العربية كانت أمه رابطة الجأش تسرد ألم فراق ابنها حسين رحمه الله تعالى. سمعت في كلامها وجع الإنتظار الطويل: "للآن لم أصدق أنه لن يعود، انتظرته انتظرته، للآن أنتظره".
كان حضور المعزين كثيفًا مع ذلك توقفت عند الصديق القديم حبيب؛ لم أعرفه أولًا ولم يعرفني لطول المدة. تصافحنا وتمنيت أن لو كان اللقاء في لحظاتٍ أسعد، لكن ما الحيلة؟
خلاصة حكاية نسرين فيها كيف الله سبحانه وتعالى يبتلي ويمتحن الإنسانَ في أعظم الأمور. يبتلي امرأةً في فقد ابنها البكر الذي يشبه الدرّة التي كبرت وبانت من أصدافها. يعطي اللهُ سبحانه وتعالى ويأخذ ثم يعطي من صبر ما لا يحتسب من الأجر والثواب والتعويض في الدنيا والآخرة.
ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَها .. من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ
تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوْسَطَ صبْيَتي .. فلله كيفَ اخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ
على حينََ شمْتُ الخيْرَ من لَمَحَاتِهِ .. وآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ
طَوَاهُ الرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُ .. بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ
تشعر بحزنٍ شديد حينما تقرأ خبر وفاة شابّ في العشرين من عمره. ثمّ يتضاعف الحزن عندما تتذكر أنه ترك والدةً ولّهَهَا فراقُ ابنها. الابن الذي كان طفلًا أصبح رجلًا تنتظر أن يتزوج وتحمل على كتفها أحفادها، لا ترى إلا ذكرياته ولا تشمّ إلا ترابَ قبره حين تزوره.
ما أغفلكَ يا إنسان وملك الموت يتصفح الوجوهَ كل يوم! ينظر في وجوهنا ونحن لا نراه وعندما يحين الأجل نستيقظ من الغفلة.
لله الحكمة؛ حلم أم وأب في ابنهما يتبدد في لحظات! ولأننا عادة ما نتكلم عن حزن الأم ننسى الأب! الأب الذي يَقطعُ موت الابن قلبه إلى قطعتين، يأخذ قطعةً ويترك له أخرى. في هذه الأيام يضع الرجال أكفهم على كتف أبيه في ساعات العزاء وبعد مدة يشعر بغيمةِ الحزن تتحرك في قلبه حين يزور قطعة قلبه الأخرى التي دفنها في التراب!
لكل الفاقدين أقول: يعوّضكم اللهُ سبحانه وتعالى خيرًا. يمنحكم الله القوة ويعوضكم ما لا يدركه خيالكم من الخير الكثير. يعوض الله الشابّ عما خسر من الدنيا الفانية نعيمًا دائمًا.
{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.



