أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رحلة الإنسان مع ذاته (٧)

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالأحد 5 يوليو 2026، 11:20 ص
رحلة الإنسان مع ذاته (٧)

نقطة تحوّل
الانكسارات والصدمات والإخفاقات لا تعني الوصول إلى النهايات والسقوط الذي لا عودة منه، بل في كثير من الأحيان تعني البداية الجديدة والمحطة المهمة في تعزيز قدرات الإنسان وطريقة فهمه للأحداث التي تمر به، فيصب اهتمامه على إعادة قراءة الواقع بطريقة صحيحة تخلو من المبالغة والأوهام، ويجعل من همته وإرادته وقواه الفكرية سلاحًا ماضيًا في مواجهة الظروف الحياتية الصعبة والأزمات، حيث يخرج منها أقوى من ذي قبل إذا استوعب الدرس والرسالة الحياتية واستفاد من أخطاء الماضي. فالإنسان معرّض للخسارة في الكثير من موارده وعلاقاته، لكن ذلك لا يعني إغلاق الأبواب في وجهه، بل هي محطة اختبار تناديه لتعزيز حضوره القوي في ساحة المواجهة والتحديات. وهل النضج الفكري والوعي والانتقال إلى مرحلة ضبط النفس والعمل المدروس دون تخبط أو انفعال إلا نتيجة المرور بمرحلة قاسية، يكتشف بعد زمن أن تلك التجربة كانت نقطة تحول نقلته إلى مستوى أعلى من النضج وإدارة الحياة بوعي.

ما المقصود بالتعافي الحقيقي من تبعات وآثار أي أزمة أو ضغوط يعتصر منها قلب الإنسان؟

التعافي الحقيقي لا يُتصوَّر بحصول حالة من الشفاء التام والخلو من أي حزن أو ألم، بل هو انتصار الفرد على ما وقع عليه من جراح، واستطاع أن يتجاوز المرحلة الصعبة، وهو يحمل بين جوانحه همة عالية في ميدان العمل وصمودًا يسعفه على مواجهة المراحل المستقبلية الصعبة. فقد يظن بعض الناس أن التعافي يعني اختفاء الألم وانتهاء المعاناة، وهذا ما لا يحدث بالطبع، بينما الحقيقة أعمق وأبعد من هذا التصور الساذج.

فالتعافي الحقيقي يعني أن يمتلك الإنسان القدرة على إدارة ألمه بوعي وحكمة وصبر، وأن يحافظ على اتزانه النفسي والروحي مهما اشتدت ضربات الزمن والصدمات والعواصف من حوله، فيعيش الألم دون أن يسمح له بأن يتحول إلى يأس ونظرة سوداوية يفقد معها الأمل. فهو يدرك أن الابتلاء سنة إلهية، وأن كل محنة تحمل في طياتها فرصة للنمو والارتقاء، فلا يسمح لجراح الماضي بأن تتحكم في حاضره، ولا أن تجعل ردود أفعاله أسيرة التجارب المؤلمة.

فالنفس الواعية تتعلم من الألم، لكنها لا تجعله هويتها، بل تحوله إلى وقود للإصلاح والبناء، وتعيد للنفس توازنها كلما أثقلتها هموم الحياة، ولا تسمح للغضب أن يقودها، ولا للحقد أن يسكن قلبها، ولا لليأس أن يطفئ نور الأمل فيها.

إن القلب العامر بالله تعالى يمتلك قدرة عجيبة على النهوض بعد السقوط، وعلى استعادة الأمل بعد اليأس، وعلى رؤية المعنى وسط الفوضى. فهو قلب يعرف أن كل ظلمة إلى زوال، وأن كل جرح يمكن أن يتحول إلى نافذة للنور. وهكذا يبلغ الإنسان درجة من السكينة تجعله أكثر ثباتًا أمام تقلبات الحياة، وأكثر تصالحًا مع نفسه، فيغدو الألم عنده سلمًا للارتقاء، والضعف مدخلًا للقوة، والانكسار بداية جديدة لرحلة أعمق في معرفة الله تعالى ومعرفة النفس.

ويراد للإنسان أن يكون يقظ الضمير، حاضر الإرادة، ومسؤولًا عن بناء ذاته، فلا ينتظر من العالم أن يحمل عنه أعباء إصلاح نفسه، بل يبدأ من داخله، مستعينًا بالله تعالى، ومؤمنًا بأن في أعماقه طاقات منحها الله تعالى له ليقاوم بها الانكسار.