إليك بُني "٤٣".. ابتعد عن التنمر

قد يُثير العنوان في ذاتك تسائلًا عن صيغة الأمر فيه. أعلم أن ما يعنيه التنمر تعرفه، ذلك العنف الذي يكون لفظيًا وجسديًا على حد سواء. ولما لهذه الدلالة من أثر يتركه التنمر في الآخر، من مُشكلات نفسية أو جسدية، قد تأخذ في مسافاتها الزمنية سنوات طويلة، كجرح لا يندمل. لذا أحببت كتابة العنوان بصيغة الأمر. وبناء على الأثر، أخبرك عن موقف حدث لي، فمُنذ كنت في الثانية عشر ربيعًا - إن صدقت ذاكرتي المترهلة-. وذلك في يوم من الأيام، كُنت عائدًا إلى المنزل، وإذا بأحدهم، والذي تربطني به صلة قرابة، وكان يكبرني سنًا، يُفاجئني -دون سابق إنذار-، حين أقبلت عليه، بقوله مُتهكمًا، وفي عينيه ما يشي بالغضب: أنت فاشل. توقفت في مكاني، أحسست بضيق في صدري، كانت الدمعة تُغالبني وأغالبها. تمالكت نفسي، وأسرعت من خُطواتي، وألقيت بجسدي على فراشي، والصمت، يلفني كطفل خائف من شيء لا يُبصره، ولا يعرف كنهه.
بُني..
وأنت بقربي اليوم، وأنا أكتب لك، حيث مرَّ على ذلك الموقف -بحسب ما تُسعفني به الذاكرة-، أكثر من ثلاثين عامًا. مازلت أتذكره، تمرُّ تفاصيله، كالطيف أمام عيني، وكأنها للتو حدثت. وقد تسألني عما أشعر به بعد كل هذه السنوات. أجيبك: أشعر بالألم ذاته الذي شعرت به حينها، ويأخذني ذلك إلى وضع نفسي مكان الإنسان الذي يتعرض للتنمر؛ لأشعر بما يشعر به، من الأسى والحزن، والغرق في حديث النفس، الرافض إلى التنمر.
قد يظن البعض، أن التنمر، يمنحهم اللذة، أو يشعرهم بالتميز، لكنه في الحقيقة صحراء قاحلة، شمسها تلفح ملامحهم، وتفقدهم البصيرة. وإن انتابهم ذلك الشعور، فإنه وهم، بعيد عن الواقع، كسراب، يظنه الماء. إنه انكسار، جرح، ينزف ألمًا، يُجذره المتنمر عنوة في الآخرين، وقد يكسر مجاديف طُموحهم، ويُرهل من الأمل في أنفسهم. وربما يقودهم إلى العزلة عن المجتمع، ويُدخلهم كُهوف البؤس والحرمان.
أتعلم بُني..
أن ما يدفع الإنسان إلى مُمارسة التنمر، يأتي من ضمنه الشعور بالنقص، أيضًا الغرور، حيث يرى غيره أقل منه، وكأنهم جالسون ينتظرونه؛ ليكونوا رهن إشارته. ونتيجة هذا النقص الذي يتأجج في داخله، فيفرزه عبر الإساءة إلى الآخرين. وهذا السلوك منشأه اضطرابًا نفسيًا يُعاني منه. والسؤال الذي أضعه بين يديك؛ لتتأمله، هو: إذا تنمرت على غيرك، وغرست الآلام في قلبه، فهل سترتاح، أم تُراك، وأنت تتخيل ما طرحته عليك آنفًا، سترفضه كليًا؟
احذر بُني..
من التباهي المفرط بما تملك، فلكل إنسان رزقه الذي قسمه الله له في هذه الحياة. وهذا التباهي قد يكون شكلًا من أشكال التنمر، حين يُعجن بالكلمات الجارحة؛ فيتباهى بلبسه، أو سيارته، أوهاتفه المحمول..؛ لينتقص من الآخرين، ويُقلل من شأنهم. إن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه، وإنما بما يسكن في ذاته من حُسن تربية، وأخلاق، وفكر ناضج، مما يجعل منه شخصية مُتزنة، تحتضن الآخرين بتواضعها، وبقلبها النابض بالحنان؛ لتكون بلسمًا أينما حلت.
بُني..
كُن ذا عشرة طيبة، تتماهى مع دفء الحضور. لذا، عاشر الناس عشرة إذا غبت عنهم حنوا إليك، وتفقدوا غيابك، فيسألوا عنك، حبيبي وقرة عيني، إياك ثم إياك أن تعيب على شكل أحدهم أو وزنه، أو طوله..، ومن الأشياء التي قد تجرح الطرف الآخر، فتزعجه. وتذكر دائمًا هذه المقولة: ما لا تقبله لنفسك، فلا ترضاه إلى الآخرين. وفكر مليًا في أثر التنمر في الآخرين، وتخيله واقعًا عليك. حينها ستنبذه، وستراقب نفسك؛ حتى لا تغفل عنه، فتحاسبها على كل هفوة، أو سلوك يشي بذلك.



