جزيرة تاروت بين البلدات التاريخية والتوسع العمراني والرفيعة المنطقة المنسية

تعد جزيرة تاروت من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في الخليج العربي وقد عرفت عبر تاريخها ببلداتها العريقة التي شكلت هويتها الاجتماعية والعمرانية وتشير المصادر التاريخية والروايات المحلية إلى أن الجزيرة ضمت عدد من البلدات التاريخية بينها تاروت وسنابس والزور وغيرها إلا أن هناك منطقة تاريخية لا يعرفها كثير من الناس وهي الرفيعة التي كانت تمتد بين تاروت ودارين وتحاذي بلدة الربيعية من الجهة الشرقية للجزيرة
وكانت حدود الرفيعة تمتد من جنوب تاروت والربيعية حتى شمال دارين وهي المنطقة التي تضم اليوم عددا من الأحياء الحديثة مثل الأندلس والخضر وزيزة والرملة البيضاء ومع مرور الزمن واتساع الرقعة العمرانية اختفى اسم الرفيعة من الاستخدام اليومي وأصبحت هذه المناطق تعرف بأسمائها الحديثة رغم أن كبار السن وبعض الباحثين لا يزالون يتداولون اسمها التاريخي
وتكتسب الرفيعة أهمية تاريخية خاصة إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أن أول مطار داخل حدود المملكة العربية السعودية الحالية أنشئ في هذه المنطقة خلال العقد الثاني من القرن العشرين واستخدم آنذاك لأغراض عسكرية مما يجعل الرفيعة شاهدة على إحدى أهم المحطات في تاريخ الطيران بالمملكة
ولم تكن بلدات الجزيرة كيانات مستقلة بالمعنى الإداري أو الاقتصادي بل كانت تجمعات سكانية متقاربة شكلت فيما بينها النسيج العمراني والاجتماعي للجزيرة وكانت بلدة تاروت تمثل المركز الرئيس إذ احتضنت السوق العام الذي خدم سكان الجزيرة وشكل مركز النشاط التجاري والخدمي فيها
وخلال العقود الأخيرة شهدت جزيرة تاروت توسعا عمرانيا كبيرا فظهرت أحياء جديدة عديدة من أبرزها الشاطئ والمناخ والجامعيين والمزروع والتركية والمنيرة والمشاري والرباط (الدخل المحدود) والشاطئ الهادئ وتاروت نيو بيتش والوزارة والكثير، فضلا عن الأحياء التي قامت في منطقة الرفيعة وأصبحت هذه الأحياء الحديثة من حيث المساحة والامتداد العمراني أكبر من البلدات التاريخية التي نشأت عليها الجزيرة.
ونتيجة لهذا النمو العمراني تغيرت طريقة تمثيل الجزيرة في الخرائط الرقمية فأصبحت تطبيقات الملاحة مثل خرائط Google تعرض جزيرة تاروت باعتبارها الكيان الجغرافي الرئيس بينما تظهر بقية البلدات التاريخية على أنها أحياء تابعة للجزيرة وهو تصنيف تقني يعكس الواقع العمراني.
كما شهدت الجزيرة في السنوات الأخيرة اعتماد التوجه التنموي والمبادرات المستقبلية وإطلاق مؤسسة تطوير جزيرة دارين وتاروت وذلك بناء على قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 30 ربيع الآخر 1444هـ الموافق 24 نوفمبر 2022م وقد عكس هذا القرار اعتماد مسمى جزيرة دارين وتاروت في المشروعات التنموية مع المحافظة على المكانة التاريخية لبلدات الجزيرة ومناطقها المختلفة.
إن توثيق منطقة الرفيعة وإبراز مكانتها التاريخية لا يهدف إلى تغيير ما هو معروف عن بلدات الجزيرة وإنما إلى إحياء جزء مهم من تاريخها وإبراز منطقة لعبت دورا في التطور العمراني للجزيرة واحتضنت أحد أبرز معالمها التاريخية ومن هنا تبرز أهمية مواصلة البحث في الوثائق والخرائط القديمة والروايات الشفوية حتى تكتمل الصورة التاريخية لجهده الجزيرة بجميع مناطقها المعروفة منها والمنسية.
ويبقى تاريخ هذه الجزيرة سجلا حيا لتراكم الحضارات وتعاقب الأجيال ولا يكتمل هذا السجل إلا بالحفاظ على أسماء الأماكن التاريخية وتوثيقها لأنها تمثل جزءا أصيلا من ذاكرتها وهويتها وتربط حاضرها بماضيها العريق كما أن توثيق جميع بلداتها ومناطقها التاريخية ومنها الرفيعة يسهم في حفظ هذا الإرث للأجيال القادمة ويعزز الوعي بتاريخها وتطورها عبر العصور…



