الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

الزواج بين بساطة الماضي وكلفة الحاضر

سلمان العنكي · القطيف اليومالجمعة 10 يوليو 2026، 11:56 ص
الزواج بين بساطة الماضي وكلفة الحاضر

{ وَإِنَّمَا أَوْلَادُنَا بَيْنَنَا أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِمْ لَامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الْغَمْضِ }

البنات: حسنات رياحين فوّاحة، فيهن الوفاء والحب والحنان، رُوي أنهن طريق الوالدين للجنة إن أحسنا تربيتهن، فهنيئًا لمن رُزق ولو بواحدة..

البنون: نعمة، زينة الحياة، أعمدة المستقبل، امتداد الذرية، فرحة الآباء الكبرى بهم عرسانًا…..

في الماضي مَن تبلغ الثامنة عشرة دون زواج بنظر المجتمع “عانسًا”، الطلاق شبه معدوم، وإن حدث يصبح معيبًا، وإذا وقع خلاف بين زوجين تدخّل المصلحون لحلّه، قبول الخاطب وردّه بيد الولي، موافقة المخطوبة شكلية على حياء منها، بين العقد والدخول أيام معدودات، لا شبكة، لا حفلة خطوبة، غرفة النوم من صداق العروس.

تلك حقبة انتهت بتسامحها، طُويت سجلاتها.. آليتها في حاضرنا غير مجدية ولا فعّال العمل بها في عصر المتغيرات المتلاحقة.. مفاهيم الزمان تبدلت..

لم يعد الأمس كاليوم “شئنا أم أبينا” لتباعد الأفكار وتشابك الثقافات وتعرضنا لانفتاح عشوائي غير مدروس، أُخذ به دون تمحيص وتمييز، لهذا بنت العشرين عندنا صغيرة، إذا طُلبت بيدها كلمة “نعم” أو “لا”، والأب غالبًا دوره منسّق إداري للجانبين، بين الاتفاق والزفاف سنوات، وقائمة الطلبات على العريس تطول، وما أسرع الانفصال “على فرش المجلس أو نوعية المطبخ ولون ستائر النوافذ” إلى أن بلغ رقمًا مخيفًا، مع ذلك يُفاخر به ويُحتفل، ولا يقبل مصلح وإن قرب..

نعيش في واقع كل ساعة يأتينا بجديد يجول في الساحة الاجتماعية منفردًا بحرية، يتراقص بشجاعة لا منافس له ولا منكر عليه..

أمسى بقاء الفتاة عند أهلها ظاهرة شائعة مألوفة، ما بيت إلا فيه اثنتان وأكثر تقدّمن في العمر أو مطلقة وخالعة إلا ما ندر، ومِن الفتيان مثلهن.. وللأسف بعض الآباء والأمهات سبب فيه فرادى أو جماعات..

منا مَن يسلّط لسانه ويصبّ جام غضبه على الصنفين معمّمًا، يحمّلهم كامل مسؤولية الإخفاق والفشل والتعطيل مِن غير دراسة الحالة بحيادية.. لماذا؟ يقول:

(أ) لمطالب الشابة التعجيزية التي يصعب توفيرها.

(ب) تعسف الشاب في اختياره بالتركيز على المظهر والغنى والدخل وتركه للأهم الأولى.

“نعم لا ننكر أن لذلك جانبًا من الصحة”، ولكن مِن الخطأ أن نعمم بهذه السلبيات، في المقابل هناك مَن ينزّه طرفًا يمسكنه، يتعاطف معه كأنه على خُلق عظيم، والآخر ذميم ظلمًا وجورًا.

ولكشف الحقائق المخفية بإنصاف:

أولًا: نرى بنتًا مثالًا للأدب والعفة، ناضجة العقل، ترضى بالمقسوم، لم يحالفها الحظ بفارس الأحلام لأنها من أسرة فقيرة متواضعة أو غير موظفة، فإذا كانت هكذا لماذا نعيبها ونسيء سمعتها؟ الواجب نتعاطف معها، ندعو لها بالتوفيق، والحال هي أقدر تحمّلًا للصعاب على المدى الطويل.

ثانيًا: نجد ابنًا خلوقًا حسن السلوك، كادحًا براتب أو دخل معتدل، لديه إمكانيات تكفيه وزوجته بالمعقول، كلما طرق بابًا أُغلق في وجهه، لماذا؟ أين نحن من المأثور “من جاءكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه؟” كم رافضة لمثله بقيت حتى بلغت الخمسين، حُرمت من الأمومة التي لا تقدر بثمن ولا تشترى.

ولتَصحيح المفاهيم نحتاج خطوات عملية:

(1) الشابة: أن تضع القناعة نصب عينيها، لا تبالغ، لا ترفع سقف الخيالات، لا تميل للمال وتغضي الطرف عن الجوهر، لا تناظر الرفيقات، فالله فرّق بين أرزاق عباده، لكل نصيب مختلف. يقول المتنبي:

{ ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدْرِكُهُ
تَجري الرياحُ بِما لا تَشْتَهي السُّفُنُ }

وعش الزوجية ليس صفوًا دائمًا، فالدنيا طُبعت على كدر:

{ طُبِعَت على كدرٍ وأنت تريدها
صفوًا من الأقذاء والأكدارِ }

ما كل الفصول ربيع ولا خريف، فيها وفيها.

فإذا رضيت تكن إيجابية، لا حنانة منانة، لا تحاسبه على توافه أو حاجات غير أساسية، لا تزيد معاناته، لعله في شدة لا تعلمها، لم يبح بها مراعاة لمشاعرها، أنت في سفينة فلا تخرقيها فتغرق بمَن فيها. لا تُثقلي كاهل الجمل حتى يواصل مسيره ولا يكبو فتتكسر عظامه..

(2) الشاب: لا يباهي، لا يدّعي امتلاك الملايين وجيبه خالٍ من الملاليم، لا يحدث نفسه أوهامًا وما لا يستطيع الوفاء به كي لا تحاصره الديون على حين غفلة فتُقفل عليه الأبواب ويبقى في الظلام حبيسًا، “مدّ رجلك على قد لحافك”، ابحث عمّن في مستواك أو أقل لتنقلها إلى الأعلى، لا العكس فتدمرها ثم تشتكي، واحذر إطالة فترة الخطوبة ففيها استنزاف للجيب وعوارض غير محسوبة، فإن ظفرت بالتي تهوى عاملها بالأحسن، صنها، حافظ عليها، تجاوز عن هفواتها، كن لها مخلصًا، واعلم كما لك حقوق عليك واجبات، لا تطالب بالأولى وتنسى الثانية.

(3) على الأبوين: تفعيل الدور العقلائي، لا إجبار، لا إهمال، توجيه الجنسين بشكل حضاري ثقافي يواكب تطورات العصر بلغة مفهومة، تبين ما يصلح مما يضر، لا تعطيل للزواج، لا تأخير فيه إلى أن يغادر القطار خاليًا من الركاب لأسباب معظمها غير لازمة.. نريد نماذج يُقتدى بها، صفحات بيضاء يُكتب فيها سعادة الزوجين…