أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العلماءُ لا يرحلون.. العلّامة الشيخ علي المرهون رحمه الله

رضي العسيف · القطيف اليومالأحد 12 يوليو 2026، 2:12 م
العلماءُ لا يرحلون.. العلّامة الشيخ علي المرهون رحمه الله

في السابع والعشرين من شهر المحرّم عام 1431هـ، خيّم الحزن على القلوب برحيل سماحة العلّامة الشيخ علي المرهون، رحمه الله.

في تلك الليلة، تناقل الناس نبأ الوفاة بصوتٍ خافت، وكأنهم يخشون أن ينطقوا بحقيقةٍ أثقلت القلوب. وما هي إلا ساعات حتى غمر الحزن أزقة الشويكة وبيوتها، ثم امتد ليشمل أرجاء القطيف كلها، وكأن مدينةً بأكملها ارتدت ثوب الحداد.

وجاء يوم التشييع...
فخرجت الجموع من كل مكان؛ الصغير قبل الكبير، والشباب إلى جانب الشيوخ، في مشهدٍ مهيبٍ قلّ أن يتكرر. كان تشييعًا يليق برجلٍ أفنى عمره في خدمة الدين والعلم والمنبر الحسيني.

ولم تكن الدموع يومها حكرًا على الأقربين، بل رأيت رجالًا طالما عُرفوا بصلابة قلوبهم، وقد غلبتهم العبرة، لأنهم لم يكونوا يشيّعون عالمًا فحسب، بل كانوا يودّعون أبًا ومربيًا وصاحب قلبٍ كبير، ربطتهم به سنواتٌ من المحبة والوفاء.

ومنذ ذلك اليوم...
بدا المسجد وكأنه فقد شيئًا من روحه. سكنته رهبةٌ ممزوجة بالحنين، وصارت جدرانه تروي حكاية غيابٍ لا يشبه سواه.
ولو كان للمسجد لسانٌ ينطق، لقال:
"أين تلك الخطوات الوادعة التي كانت تعبر أروقـتي بكل وقار؟ وأين ذلك الوجه الذي كان يشرق بالإيمان؟ وأين السجدات الطويلة التي كانت تعطر محرابي، والدعوات الصادقة التي كانت ترتفع من بين جدراني؟ لقد طال انتظاري... فمن يؤنس وحدتي بعدك أيها الشيخ الجليل؟"

واليوم...
كلما دخلنا المسجد، ووقعت أعيننا على صورة الشيخ، عاد إلينا حضوره حيًّا في الذاكرة. نراه يمشي بخطوات الوقار، ويقف بين يدي الله بخشوعٍ يعلّم القلوب قبل الألسنة.

وحين تقع أبصارنا على صورته في إحدى الحسينيات، يخيّل إلينا أن صوته لا يزال يتردد في الأرجاء، يرثي الإمام الحسين عليه السلام، فتنبض الكلمات بالحزن، وتفيض المجالس بخشوعٍ عرفناه في نبرات صوته وأدائه الصادق.

وحين يحلّ شهر رمضان المبارك، تفتح المساجد والحسينيات كتاب أعمال شهر رمضان، فتنساب الأدعية المباركة بين الجدران، وتفوح من كلماتها رائحة التقوى والإخلاص. تتعالى أصوات المؤمنين بدعاء الافتتاح، ودعاء أبي حمزة الثمالي، وسائر المناجاة التي تلامس شغاف القلوب، فتسكن الضوضاء، وتخشع النفوس، وترتفع الأكف إلى السماء، وتختلط الدموع برجاء المغفرة والرحمة.

لقد صدق الإمام علي عليه السلام حين قال:
«والعلماءُ باقونَ ما بقي الدهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوب موجودة.»

وهكذا كان سماحة العلّامة الشيخ علي المرهون؛ رحل جسده، لكن علمه، وصوته، وأخلاقه، وسيرته العطرة، ما زالت حيّةً في وجدان الناس، تتردد في المساجد والحسينيات، وتنبض في قلوب كل من عرفه أو تتلمذ على يديه.

رحم الله سماحة العلّامة الشيخ علي المرهون رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله ومنبره الحسيني في ميزان حسناته، وأعلى مقامه مع محمدٍ وآله الطاهرين.