الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (3).. فلسفة الوعي في هندسة الأزمات

قد يقرأ البعض الأزمات والعراقيل التي نصادفها على أنها مصدر للانزعاج والاضطراب النفسي الذي يلحق به، بل إن كيفية قراءة الوقائع والأحداث هي ما يبرز حقيقة الثقة والاستقرار أو الهلع والحيرة. فالواقع الخارجي لا يدخل إلى النفس كما هو دون تباين واختلاف بين الأفراد، بل يمر أولًا عبر منظومة الإدراك وطريقة فهم العوامل والظروف، وهناك تتحدد معانيه وآثاره وحدود تأثيره. وهذا يعني أن الرشد العقلي والوعي لا يعنيان مجرد امتلاك المعلومة النظرية واستيعاب معالمها، بل هو القدرة على توظيف تلك المعرفة على أرض الواقع من خلال القدرة على إعادة تفسير الوقائع بطريقة تمنح الإنسان السيطرة على نفسه قبل أن يسعى إلى السيطرة على الظروف.
ومن معالم الرشد العقلي دراسة الظروف المحيطة بأعمار البشر المحدودة، وضعف قدرتهم على ضبط إيقاع الظروف، فإن الإنسان محدود الطاقة والوقت والانفعال، وهذا ما يحتم عليه دراسة خطواته بتأنٍ بعيدًا عن التهور والجهالة.
كما أن الخلافات الاجتماعية أمر واقع لا مفر منه، ويبتني على الطبيعة والتركيبة النفسية لكل إنسان في تكوين قناعاته وتصوراته، ولكن هذا الاختلاف لا يعني الدخول في مواجهات كحلبة المصارعة والجدال العقيم، فإن الرأي والرأي الآخر يُداران باحترام الآخر والاستماع له وتبادل وجهات النظر معه وفق آداب الحوار.
فإن الحكمة لا تكمن في الدخول في جميع الصراعات، بل في حسن اختيار ما يستحق أن يُبذل فيه الجهد والوقت، فكم من حوار وخلاف ونزاع بدأ بكلمة وانتهى بقطيعة وخسارة سنوات من العمر، وكم من استفزاز كان يمكن أن يموت في لحظته، ويتلاشى وينتهي تأثيره لو وُوجه بعقل هادئ لا بعاطفة منفلتة.
ولهذا فإن العقل الناضج لا يقيس حضوره ومكانته وقوته بعدد المعارك التي يخوضها ويرجع منها بخفي حنين، وإنما بعدد المعارك التي نجح في تجاوزها دون أن يخوضها أصلًا، إذ استطاع بحكمته أن يمتص انفعاله ومشاعره المستفزة، واختار طريقة مرضية تجنبه ويلات الحرائق الاجتماعية المشتعلة.
فمن أبرز ثمار الوعي أنه يقلل الاحتكاك غير الضروري مع الأزمات؛ لأن صاحبه يمتلك بصيرة تفرّق بين ما يمكن تغييره وما ينبغي تجاوزه وإغفال تفاصيله غير المؤثرة، وبين ما يستحق المواجهة وما لا يستحق سوى التجاهل ومرور الكرام عليها وكأنها غير موجودة. فليس كل اختلاف يعد تهديدًا وجوديًا أو مسًا بكرامته، وليس كل نقد عداوة مستحكمة، وليس كل إساءة مشروعًا للانتقام، فإن كثيرًا من المشكلات تتضخم بسبب ردود أفعالنا وطريقة تعاملنا العاطفية المتهورة معها أكثر مما تتضخم بسبب أسبابها الحقيقية.
الإنسان الواعي يفهم حقيقة مجريات الأمور واتجاه الانفعالات المتفلّتة، ويدرك أن الانفعال السريع قد يمنحه شعورًا مؤقتًا بالانتصار، لكنه قد يورثه ندمًا طويلًا، بينما يمنحه التروي فرصة لرؤية الصورة الكاملة قبل الإقدام على أي خطوة أو إصدار الأحكام. ولذلك كانت الحكمة مرتبطة بسعة النظر لا بسرعة الرد، وبعمق الفهم لا بكثرة الكلام.



