فاتتك… وصدَّقتها!

أخاف من وعد أقطعه لنفسي أكثر من وعد أقطعه لغيري.
فالناس قد يذكرونني إن نسيت وقد يعاتبونني إن قصرت أما النفس فتعطيني عذرًا جديدًا في كل مرة ثم تمضي بي وكأن شيئًا لم يكن.
لا أحد يقول لنفسه.. لن أبدأ فهذه كلمة ثقيلة والنفس أمهر من أن تصدم صاحبها بهذا الوضوح. إنها تختار عبارة ألطف لا تجرحه ولا توقظه ولا تدفعه إلى مراجعة نفسه.تقول له.. ليس اليوم… ثم تعود بها في الغد حتى يألفها القلب ويكف عن مقاومتها.
وما أشد دقة الوصية التي نبهت الإنسان إلى هذا الباب حين قيل له.. "إياك والتسويف بأملك فإنك بيومك ولست بما بعده". فما نملكه حقًا ليس الغد وإنما هذا اليوم الذي بين أيدينا.
وهكذا لا يضيع العمر دفعة واحدة.. يضيع في أيام ظننا أنها صغيرة وأننا سنرجع إليها بعد قليل.
متى تبدأ.. كعادتك تقول عندما أفرغ… وعندما تهدأ الأمور… وعندما تتحسن الأحوال… وعندما… حتى تصبح "عندما" مكانًا تسكنه أكثر مما تسكن يومك. ولو جمعت كلمات "عندما" التي قلتها لنفسك منذ أول شبابك لوجدت بينها عمرًا كاملًا… لم تعشه.
ما ظننت يومًا أنني أفعل ذلك.
كلما بلغت مرحلة قلت في نفسي.. بقيت خطوة واحدة ثم أبدأ حياتي كما أريد فأودّع مرحلة وأستقبل أخرى بالحلم نفسه وأظن أن الراحة تقف بعد المنعطف القادم فإذا تجاوزته وجدتها قد انتقلت إلى المنعطف الذي يليه.
وهكذا عبرت المدرسة… ثم الجامعة… ثم العمل… ثم الزواج… ثم الأبناء… وكلما اكتملت محطة قلت لنفسي.. ليست هذه التي كنت أنتظرها.
وحين التفت إلى الوراء أدركت أنني لم أكن أبحث عن حياة أفضل… كنت أمر بالحياة نفسها دون أن أعيشها.
وأجمل ما فيها لم يكن ينتظرني في آخر الطريق… كان يمر بي كل يوم وأنا أحدق في آخره.
وهنا يتجلى معنى طالما حذر منه أمير المؤمنين عليه السلام حين قال إن أخوف ما يُخاف على الإنسان اتباع الهوى وطول الأمل. فكلما طال الأمل ابتعدت البداية وصار الغد يعد بما لا يفي به.
النفس لا تبحث عن المستحيل كونها تبحث عن يوم يخلو من التعب ومن الانشغال ومن الخوف ومن النقص وكأن الدنيا وعدت أحدًا بهذا اليوم..
ولم يحدث.
فالدنيا دار سعي لا دار فراغ ودار ابتلاء لا دار راحة كاملة ومن جعل راحته شرطًا ليبدأ سيظل يطارد شرطًا لا يكتمل.
ولهذا كان الصالحون يبدأون بإصلاح أنفسهم قبل انتظار تبدل أيامهم يسألون الله قلبًا أصلح ولا ينتظرون أيامًا أيسر لأن ما استقام في الداخل هان عليه ما في الخارج. وهذه هي الروح التي تسري في الصحيفة السجادية… يبدأ الإنسان بنفسه أولًا ثم يمضي إلى عمله.
تأمل حياتنا…
اعتذار بقي في القلب حتى برد وزيارة بقيت حبيسة غدًا وكتاب علاه الغبار وكلمة امتنان تأخرت حتى غاب صاحبها. ليس لأن الخير بعيد عنا وإنما لأن النفس أقنعت صاحبها أن هناك يومًا سيكون أوسع وأشمل وأجمل من هذا اليوم وأهدأ منه وأقرب إلى ما يشتهي.
وكانت الأيام تمضي…
ولا يأتي ذلك اليوم.
وظل يظن أن الحياة تخبئ له نسخة أجمل منها ليعيشها فمرت الحياة من أمامه كل يوم ولم يمد يده إليها.
ومن هنا تبدأ الخسارة.. فالعمر لا ينكسر مرة واحدة وإنما يبلى كما يبلى طرف الثوب حتى يأتي يوم لا يجدي معه الرتق.
ثم يلتفت الإنسان إلى الوراء فلا يجد حادثة واحدة أضاعت عمره ويجد أيامًا صغيرة ظنها لا تعني شيئًا فإذا بها صنعت عمرًا كاملًا.
وأقسى ما خسره لم يكن عملًا ولا كتابًا ولا رحلة.. لقد خسر الإنسان الذي كان يستطيع أن يكونه.
ولهذا كانت تربية أهل البيت عليهم السلام تعيد الإنسان إلى نفسه قبل عمله. فإذا استقامت النفس استقام السير وإذا استرسلت مع الأماني كثرت الوعود وقل العمل حتى يظن صاحبها أنه يمضي وهو ما يزال في مكانه.
الأيام لا تلتفت إلى الواقفين طويلًا فهي تمضي بمن سار وتمضي بمن بقي غير أن أحدهما يحمل من أيامه أثرًا يبقى والآخر يحمل انتظارًا استهلك عمره.
وفي آخر اليوم حين يخلو الإنسان إلى نفسه لا يوجعه ما فاته بقدر ما يوجعه ذلك الوعد الذي ردده طويلًا… ليس اليوم… ثم مضى اليوم… وجاء الذي بعده… وبقي الوعد كما هو… حتى اكتشف متأخرًا أنه لم يكن ينتظر الحياة…
كانت الحياة هي التي تمر به كل صباح ثم تمضي قبل أن يلتقيها ويعيشها.
ولذلك جاء التحذير القرآني في كلمات قليلة حملت حكاية الإنسان كلها…
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
"الحجر-3"
فليس كل أمل مذمومًا… وإنما الذي يُلهي عن العمل ويجعل العمر وعدًا لا ينتهي.
وفاتتك أشياء كثيرة…
لأنك صدَّقتها.
صدَّقت أن الحياة تبدأ غدًا… وأن الراحة تسكن المرحلة التالية… وأن الفرح ينتظر اكتمال الشروط.
وحين التفتَّ أخيرًا…
وجدت أن الحياة لم تكن تنتظرك…
كانت تمر إلى جوارك كل يوم… ثم تمضي.



