الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سافر لتستريح لا لتتعب في مكانٍ جديد

د. ماهر آل سيف · القطيف اليومالأحد 19 يوليو 2026، 10:23 ص
سافر لتستريح لا لتتعب في مكانٍ جديد

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في حكمته الخالدة: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسن»؛ فالإنسان لا يكبر بكثرة ما يملك، بل بكثرة ما يتعلّم، ولا تتسع حياته بطول إقامته، بل باتساع تجربته. ومن هذا المعنى جاءت الأبيات في السفر:

تغرّبْ عن الأوطان في طلب العُلا
وسافرْ ففي الأسفار خمسُ فوائدِ
تفرّجُ همٍّ، واكتسابُ معيشةٍ
وعلمٌ، وآدابٌ، وصحبةُ ماجدِ

فالسفر ليس حركةَ قدمٍ فحسب، بل يقظةُ فكر، وراحةُ صدر، وتجديدُ عمر. وهو لا يقاس ببُعد المسافة، بل بمقدار ما يحرّرك من العادة، ويخرجك من ضيق الروتين إلى فسحة السكينة.

وأعظم فوائد السفر أن يخرج الإنسان من ضيق العادة إلى سعة المشاهدة، ومن تكرار الأيام إلى تجدد الأحلام، ومن ضغط المكان إلى صفاء الوجدان.

ولكن الناس يخلطون بين السفر للاستكشاف والسفر للاسترخاء؛ فالأول انتقالٌ وحركة، والثاني سكونٌ وبركة. الأول جدولٌ ومواعيد، والثاني هدوءٌ وتجديد. ومن خرج ليستريح، ثم جعل يومه سباقًا بين المطاعم والأسواق والمعالم، فقد غيّر المدينة ولم يغيّر المعاناة، وبدّل العنوان ولم يبدّل الإعياء.

إن كنت تطلب الراحة، فلا تجعل إجازتك نسخةً أخرى من حياتك؛ مبانٍ عالية، وشوارع مزدحمة، وأصواتٌ متلاحقة، ووجوهٌ مسرعة، ومواعيد ضيقة. ما الفائدة أن تهرب من زحام عملك إلى زحام سياحتك، ومن ضغط مكتبك إلى ضغط برنامجك؟

ابحث عن مكانٍ يبهج العين قبل أن يشغل القدم؛ مزرعةٍ في الريف، أو بيتٍ قرب غابة، أو كوخٍ عند جبل، أو سكنٍ يطل على نهرٍ أو حقل. ليس المهم أن تعبر القارات، بل أن تعبر من الضيق إلى الانشراح، وليس المهم أن تبتعد آلاف الأميال، بل أن تبتعد عن روتينٍ أثقل الروح وأتعب البال.

وقد يكون السكن في الريف أقل كلفةً من قلب المدينة، لكن قائلًا قد يقول: إن فرق السعر سيذهب في استئجار سيارة أو أجرة طريق. والجواب أن المسافر للاسترخاء لا يحتاج إلى الذهاب والعودة كل يوم، ولا إلى مطاردة المعالم صباحًا ومساء؛ لأنه لم يختر الريف ليجعل المدينة محطته اليومية، بل اختاره ليكون هو المقصد والغاية.

ثم إن الرخص ليس في ثمن الغرفة وحده؛ بل في هدوء المكان، وبساطة الطعام، وقلة المغريات، وغياب مواقف السيارات المكلفة، وتراجع مصروف التسوق والتنقل. وقد تدفع أكثر قليلًا في وسيلة الوصول، لكنك تربح أكثر في راحة النفس وصفاء الشعور.

السفر الحقيقي ليس تغيير سريرٍ بسرير، بل تغيير إحساسٍ بإحساس؛ فإن عدت كما ذهبت، متوترًا متعبًا مستعجلًا، فقد نقلت جسدك ولم تسافر بروحك.