راسي وأَلف سيف أنا قبله.. حكاية من حياتي

لماذا تتغير شخصيتي خلف مقود السيارة؟
فجر يوم السبت، ١٨ يوليو، في الطريق مطبّة مصطنعة لكي يخفف القادم من سرعته فأجتازُ أنا. أسرعَ هو، ما من ازدحام، أنا وهو، لكنّ رأسه وألف سيف لا يريدني أن أقطع الطريق. هربتُ بسرعة قبل أحصل على لكمةٍ، أو لكمتين، تحرمني وجبة الإفطار.
أنا وهو لا نتسامح في جزءٍ من الثانية، لكننا مستعدّان أن نتشاجر ونتَشابك بالأيدي، وحتى ندخل قسم الشرطة وتضيع ساعات أو أيام، أليس هذا من الأمر العجيب؟!
يحصل هذا كثيرًا لكم أنتم أيضًا؟ أليس كذلك؟ وليتذكر دائمًا - القارئ الكريم والقارئة الكريمة - أن الحديث ليس عن مجتمعنا، أو عن مجتمع بعينه دون سواه، بعض الظواهر تكاد تكون عالمية، الإنسان يشبه الإنسان في كل مكان. أما الخواطر التي تكتب عندنا فهي تقرأ في كلّ البلدان.
لماذا؟ ما هو السبب عندما أكون في السيارة أصبح شخصية أخرى؟ أنا المتعلم المتسامح الخلوق أتغير في الطريق! في العلن أتكلم عن معاملة الزوجة الحسنة وخلف الأبواب أنا الموت الأحمر، بين الناس أنا أجمل إنسان وفي الدار نار يا ربّ نار، يتطاير من رأسي الشرر!
لماذا في الناس لطفاء لا يغيرهم الطريق؟ لا تخدعهم فقاعة السيارة. سلوكهم وشخصياتهم لا تتغير ولا تتبدل؟ يتبيّن أن السيارة تشكل بيئة تكشف الكثير عن الجوانب النفسية للفرد، كما خلف الجدران تتكشف للإنسان شخصيّة، أو شخصيات، أخرى!
تستطيع القارئ الكريم والقارئة الكريمة، إذا كنت تشتهي، أن تتعرف على الجواب من ناحية نفسية، لكنني أريد أن أفتح معك حديثًا عن الضمير الذي نقتله في السرّ ونعيده حيًّا في العلن! الضمير الذي يكون معافى في العلن، بين الناس، ويموت في السرّ! كيف لهذه الخصوصية البسيطة، حجم صندوق سيارة، أن تغير من تصرفاتنا؟ ماذا لو كنا مسؤولين؟
ابني الشاب، ابنتي الشابة، صديقي العزيز، أختي الكريمة: إذا خرجت غدًّا إلى شغلك تذكر أن الطريق يكشف شخصيتك الحقيقية. تلطف مع الآخرين. تذكر أن الآخرين ليسوا دمى ولا أحجار، هم ناس لهم حقّ في الطريق كما أنت لك حق! أجمل الناس ليس من سيارته أغلى أو أسرع ومن يده أقوى إنما من عقله وقلبه أكبر!
تذكر أن السيارة لا تخلق الأخلاق، بل تجعلها ظاهرةً للعيان. السيارة لا تخلق الغضب، لا تخلق العدوانية، والقيادة المتهورة، والتزمير، والتَسارع المفاجئ، ومعاقبة السائقين الآخرين بالسرعة أو الاقتراب الشديد منهم، إنما تظهرها للعيان.
سيارة المستقبل:
سوف تصبح السيارة أذكى من السائق. تتسامح، تدرك الخطر، تعرف حقوق الطريق ولا تتعامل بالمزاجية. سوف تنتهي شكوانا من بعضنا وتنتهي المصائب والويلات التي تسببها السيارات الآن!
هذه آخر كلمة أقولها:
هل يمكن أن يعود الطريقٍ حيًّا شاهدًا يوم القيامة على تعاملنا فيه؟ الحمد لله أنّ مجتمعنا أكثر لطفًا وتسامحًا في الطريق من مجتمعات أخرى فهذه الخواطر ليست رسائل استنكار إنما رسائل تذكير بأن يدوم اللطفُ والتسامح.



