أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تعلَّم... واكتب... واجعل العلم في بيتك

رضي العسيف · القطيف اليومالجمعة 24 يوليو 2026، 11:35 ص
تعلَّم... واكتب... واجعل العلم في بيتك

قال الإمام الحسن عليه السلام:
«تعلَّموا العلم، فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه، وضعوه في بيوتكم» (1).

العلم نورٌ يبدّد ظلمات الجهل، ويبني عقل الإنسان، ويوسّع مداركه، ويرتقي به في مراتب الوعي والقيمة. فبالعلم يعرف الإنسان طريقه، ويحسن اتخاذ قراراته، ويؤدي دوره في الحياة بوعيٍ ومسؤولية.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
«أكثر الناس قيمةً أكثرهم علمًا، وأقل الناس قيمةً أقلهم علمًا» (2).

فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملكه من مال، ولا بما يشغله من منصب، بل بما يحمله من علم، وما يقدمه من نفع، وما يتركه في حياة الآخرين من أثر.

وفي كلمة الإمام الحسن عليه السلام منهجٌ متكامل لبناء الإنسان المتعلّم؛ يبدأ بطلب العلم، ويمرّ بتدوينه، وينتهي بجعله حاضرًا في البيت والأسرة.

*دعوة إلى التعلُّم*
قوله عليه السلام: «تعلَّموا العلم» دعوة صريحة إلى أن يخرج الإنسان من دائرة الجهل، وألّا يرضى لنفسه بالجمود أو الاكتفاء بما يعرفه.

فالإنسان خُلق بعقلٍ قادرٍ على التعلّم، ومنحه الله وسائل المعرفة؛ ولذلك ينبغي له أن يبذل جهده في اكتساب العلم، وتطوير مهاراته، وتوسيع مداركه.

وقد يكون العلم تعليمًا نظاميًا يحصل عليه الإنسان في المدرسة أو الجامعة، وقد يكون تعلّمًا ذاتيًا يكتسبه من القراءة، أو حضور المجالس والمحاضرات، أو الاستفادة من تجارب الآخرين.

كما يمكن للإنسان أن يتوسع خارج حدود تخصصه، فيقرأ في مجالات أخرى؛ فيتعلم عن التربية، والصحة، والإدارة، والتاريخ، والثقافة، وكل ما يزيده وعيًا ونضجًا.

فلا تجعل معرفتك محصورةً في مجالٍ واحد، بل افتح لعقلك نوافذ جديدة؛ فقد تجد في كتابٍ بعيدٍ عن تخصصك فكرةً تغيّر أسلوب حياتك، أو مهارةً تفتح أمامك بابًا جديدًا.

الاستمرار في التعلُّم
العلم لا يقف عند نقطة، ولا ينتهي بالحصول على شهادة، بل هو رحلة مستمرة ما دام الإنسان حيًّا.

فالشهادة التي حصلت عليها ليست نهاية الطريق، وإنما هي بداية مرحلة جديدة من التعلّم والخبرة. ومن الخطأ أن يظن الإنسان أنه قد استغنى بما تعلّمه في سنوات الدراسة عن مواصلة المعرفة.

العالم من حولنا يتغير بسرعة، والمعلومات تتجدد، والمهارات تتطور؛ ومن يتوقف عن التعلّم يتراجع، حتى وإن بقي واقفًا في مكانه.

لذلك لا تكتفِ بما حصلت عليه من شهادة، بل اسعَ إلى تطوير مستواك العلمي، والحصول على مؤهل أعلى حين تتاح لك الفرصة، والبحث عن الدورات التدريبية التي تزيدك معرفةً وخبرة.

تعلّم في مجال تخصصك، وتعلّم في مجال هوايتك، وتعلّم فيما يوقظ شغفك ويمنحك طاقةً جديدة.

اجعل لك في كل عام مهارةً جديدة، وفي كل شهر كتابًا، وفي كل أسبوع فكرةً تتأمل فيها؛ فكل معرفة تضيفها إلى عقلك تجعلك اليوم أفضل مما كنت عليه بالأمس.

اكتب ما تعلَّمته
ثم يوجّهنا الإمام الحسن عليه السلام إلى وسيلة مهمة لحفظ العلم، فيقول:
«فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه».
فالإنسان قد يسمع فكرةً مؤثرة، أو يقرأ معلومةً نافعة، ثم تمر الأيام فتغيب التفاصيل عن ذاكرته. أما حين يكتبها، فإنه يثبّتها في ذهنه، ويحفظها من الضياع، ويجعل العودة إليها ممكنة.

لا تكتفِ بالقراءة فقط، ولا تكتفِ بالاستماع فقط، بل أمسك قلمك واكتب.

اكتب ما أثار انتباهك، ولخّص ما قرأته، وسجّل الفوائد التي سمعتها، ودوّن الأفكار التي خطرت لك. فالكتابة ليست مجرد نقلٍ للكلمات، بل هي إعادة ترتيبٍ للمعرفة داخل العقل.

وحين تلخّص كتابًا أو محاضرةً بأسلوبك، فإنك لا تحفظ المعلومة فحسب، بل تفهمها بصورة أعمق، وتصبح قادرًا على التعبير عنها والاستفادة منها.

تعلّم مهارة التلخيص، واجعل لك دفترًا للفوائد، أو ملفًا إلكترونيًا تجمع فيه ما تتعلمه. وستكتشف بعد مدة أنك كوّنت لنفسك ثروةً معرفيةً ثمينة، يمكن أن تنتفع بها، وتنقلها إلى الآخرين.

اصنع مكتبة في بيتك
ثم يقول الإمام عليه السلام:
«وضعوه في بيوتكم».
وفي هذه العبارة دعوة إلى أن يكون للعلم مكانٌ في بيوتنا، وألّا تخلو من الكتب والمصادر النافعة.

فالبيت الذي يحضر فيه الكتاب يصبح أكثر وعيًا، والأبناء الذين ينشؤون وهم يرون آباءهم يقرؤون يتعلمون أن المعرفة جزءٌ طبيعي من الحياة.

اصنع في بيتك مكتبة، ولو كانت صغيرة. لا يشترط أن تكون كبيرة أو فاخرة، فرفٌّ واحدٌ يحمل كتبًا نافعة قد يكون بدايةً جميلة لمشروعٍ معرفي يمتد مع الأيام.

ضع فيها ما يزيدك أنت وأهل بيتك علمًا ومعرفةً ومهارة. اختر كتبًا في الدين، والتربية، والصحة، والأدب، والسيرة، وتطوير الذات، وغيرها من المجالات النافعة.

واجعل للكتاب حضورًا في مجالس الأسرة، وتحدّث مع أبنائك عما قرأت، وشجّعهم على اختيار كتبهم، وناقش معهم الأفكار بأسلوبٍ محبّب.

ويمكنك أن تضع خطةً بسيطة: كتابٌ جديدٌ كل شهر تضيفه إلى مكتبة البيت. وبعد سنوات ستجد أن الكتب قد تكاثرت، وأن معها قد كبرت المعرفة، ونضج الوعي، وتكوّنت في البيت ذاكرةٌ ثقافية جميلة.

همسة أخيرة:
لا تسأل نفسك: كم كتابًا قرأت؟ بل اسأل: ماذا غيّر العلم في فكري وسلوكي؟ فالعلم الحقيقي هو الذي يضيء العقل، ويهذّب النفس، ويتحول إلى عملٍ وأثر.

الهوامش
1 ) إحقاق الحق، ج11، ص238، س2.
2 ) النوادر للراوندي، ص16؛ بحار الأنوار، ج1، ص163، ح1.