من ألعاب الحارة إلى العالم الافتراضي (1 من 4)

كيف تغيّر لعب الأطفال في المنطقة الشرقية؟ وما الذي كسبناه وما الذي خسرناه؟
لم تكن الألعاب يومًا مجرد وسيلة لقتل الوقت أو التسلية، بل كانت، ولا تزال، إحدى أهم الأدوات التي تُشكِّل شخصية الطفل، وتبني قدراته العقلية والجسدية والاجتماعية، وتُعدّه للحياة المستقبلية. فالطفل يتعلم أثناء اللعب أكثر مما يتعلمه أحيانًا داخل الفصل الدراسي؛ لأن اللعب يمثل المدرسة الأولى التي يكتسب فيها مهارات التفكير، والتواصل، والقيادة، والإبداع، وحل المشكلات.
وقد شهد المجتمع في المنطقة الشرقية، على وجه الخصوص، خلال العقود الخمسة الماضية، تحولًا جذريًا في طبيعة ألعاب الأطفال. ففي الماضي، كانت اللعبة تولد من البيئة المحلية، ويشارك الطفل بنفسه في صناعتها، مستفيدًا من أبسط المواد المتوافرة حوله، بينما أصبحت اليوم تُنتج في مصانع عالمية، ثم انتقلت في السنوات الأخيرة إلى مرحلة جديدة لم تعد فيها اللعبة شيئًا يُمسك باليد، وإنما أصبحت عالمًا افتراضيًا يعيش فيه الطفل لساعات طويلة عبر الهاتف الذكي أو الحاسب أو أجهزة الألعاب الإلكترونية.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في شكل اللعبة، بل أحدث تغيرًا عميقًا في نمط حياة الأطفال، وفي طريقة تفكيرهم، وفي صحتهم الجسدية والنفسية، وفي علاقتهم بأسرهم ومجتمعهم، بل وحتى في نوعية الذكاء الذي يكتسبونه خلال مراحل النمو.
ولذلك أصبح من المهم إعادة قراءة هذا التحول قراءة علمية متوازنة، لا تنظر إلى الماضي بوصفه زمنًا مثاليًا، ولا إلى الحاضر باعتباره زمنًا سيئًا، وإنما تحاول فهم ما كسبه الطفل وما فقده في كل مرحلة، وكيف يمكن للأسرة السعودية أن تحقق التوازن بين التقنية الحديثة ومتطلبات النمو الطبيعي للطفل.
قبل نحو أربعين أو خمسين عامًا، كانت أحياء المنطقة الشرقية، ولا سيما في القطيف، وسيهات، وصفوى، وتاروت، والأحساء، والدمام، والجبيل، والخبر، تمتلئ بالأطفال منذ ساعات العصر وحتى غروب الشمس. لم تكن هناك أجهزة لوحية، ولا هواتف ذكية، ولا إنترنت، بل كانت الأزقة، والساحات، والفرجان، هي ساحات اللعب اليومية.
كان الطفل ينظر إلى أي قطعة مهملة في المنزل على أنها مشروع لعبة جديدة؛ فالعصا يمكن أن تصبح حصانًا، أو بندقية خشبية، أو مضربًا، وعلبة الصفيح قد تتحول إلى سيارة، وسعف النخيل يُصنع منه السيوف أو الأقواس أو المجسمات، أما الخيوط فكانت تتحول إلى طائرات ورقية، أو ألعاب جماعية، أو وسائل لصناعة الدمى.
ولم تكن قيمة اللعبة في جمالها، بل في قدرة الطفل على ابتكارها بنفسه، فكل طفل كان يحاول أن يجعل لعبته مختلفة عن غيره، الأمر الذي ولّد روح المنافسة، والإبداع، والاعتماد على النفس.
ولذلك لم يكن اللعب مجرد ترفيه، بل كان ورشة هندسية صغيرة يتعلم فيها الطفل، دون أن يشعر، مبادئ التصميم، والتوازن، والقياس، والربط، واختيار المواد، والتجريب، وإصلاح الأخطاء.
لقد كانت اللعبة تبدأ فكرةً في عقل الطفل، ثم تتحول إلى رسمٍ بسيط، ثم إلى تجربة، ثم إلى تعديل، ثم إلى منتج نهائي يستخدمه مع أصدقائه.
ولو تأملنا هذه العملية، لوجدنا أنها تشبه إلى حد بعيد ما يسمى اليوم بـ«التفكير التصميمي»، الذي تعتمد عليه أكبر الشركات العالمية في الابتكار.
اللعب كان مدرسة للحياة
لم يكن أطفال الأمس يحتاجون إلى دورات في القيادة أو العمل الجماعي؛ لأن ألعابهم كانت تعلمهم ذلك بصورة طبيعية.
فعندما يجتمع عشرة أطفال لبناء لعبة، أو تنظيم مباراة، أو إقامة سباق، فإنهم يتعلمون تلقائيًا: توزيع الأدوار، واحترام القائد، وحل النزاعات، والتفاوض، والالتزام بالقواعد، والصبر، وتحمل الخسارة، واحترام الفوز.
كما كانوا يمارسون نشاطًا بدنيًا مكثفًا يمتد أحيانًا لساعات طويلة، في الجري، والقفز، والتسلق، والرمي، والمطاردة، وهو ما كان يسهم في بناء عضلاتهم وعظامهم، وتنمية التوازن الحركي، واللياقة البدنية.
وكانت البيئة نفسها جزءًا من اللعبة؛ فالطفل يتعامل مع الرمل، والماء، والأشجار، وسعف النخيل، والحجارة، والأخشاب، مما ينمي قدرته على فهم العالم الواقعي والتفاعل معه.
اشتهرت المنطقة الشرقية بعشرات الألعاب الشعبية التي مارسها الأطفال جيلًا بعد جيل، ورغم بساطة تلك الألعاب، فإنها كانت تجمع بين الحركة، والتفكير، والتعاون، ولذلك بقي أثرها في ذاكرة كثير من أبناء المنطقة حتى اليوم.
ماذا كان الطفل يكتسب من صناعة اللعبة؟
تشير دراسات علم النفس التربوي إلى أن الألعاب التي يصنعها الطفل بنفسه تنمي مجموعة واسعة من المهارات، من أهمها: التفكير الإبداعي، والذكاء المكاني، والتخطيط، والمهارات اليدوية الدقيقة، والمرونة العقلية، والمثابرة، وحل المشكلات، والاستقلالية، والثقة بالنفس.
فالطفل عندما يحاول أن يجعل عجلات السيارة تدور، أو أن يوازن الطائرة الورقية في الهواء، فإنه يمارس عمليات عقلية معقدة دون أن يشعر.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن اللعب الحر يُعد من أهم وسائل تنمية الدماغ في السنوات الأولى من عمر الطفل.
المجتمع كان شريكًا في التربية
من الخصائص الجميلة لألعاب الماضي أنها لم تكن نشاطًا فرديًا، بل كانت نشاطًا اجتماعيًا بامتياز.
فالحي بأكمله كان يشارك بصورة غير مباشرة في تربية الأطفال؛ فالكبار يراقبونهم، ويوجهونهم عند الحاجة، ويعلمونهم احترام الآخرين، بينما يتعلم الصغار من الأطفال الأكبر سنًا.
وبذلك كانت الألعاب الشعبية تسهم في بناء رأس المال الاجتماعي للمجتمع، وتعزز قيم التعاون، والانتماء، والمسؤولية.
هل كانت ألعاب الماضي مثالية؟
بالطبع لا، فقد كانت بعض الألعاب تعرض الأطفال للإصابات، أو تستخدم أدوات غير آمنة، كما أن تنوعها كان محدودًا مقارنة بما هو متاح اليوم، ولم تكن تقدم المحتوى التعليمي أو التقني الذي توفره بعض الألعاب الحديثة.
إلا أن قيمتها الكبرى كانت تكمن في أنها جعلت الطفل صانعًا، ومبتكرًا، ومشاركًا، لا مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون.
-----
فؤاد المشيخص
أخصائي اجتماعي



