إذا لم أكن أنا… فمن كنت سأكون؟

من الطبيعي جدا ان يكون الفرد منا فخور بشخصيته وانجازاته وما حققه, وما يصبو الى إحرازه. هذا الاعتزاز بال "انا" هو امر متقبل ومتوقع وصحي مادام انه يقع في حدود الاتزان. ولكن في "رأيي" أنه ليس كل انجاز استطعنا تحقيقه هو بسبب قوتنا وشخصيتنا وعقليتنا واجتهادنا ومثابرتنا فقط, من غير التفات الى توفيق الله لنا (وما توفيقي الا بالله). اذن فأين موقعية فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه وتقديره وتيسيره؟ فهو المنعم المتفضل أولا وأخرا وهو الفاعل الحقيقي, في الوقت الذي ينحصر فيه دورك على جزئية كونك انت العامل الثانوي الظاهري السببي, ولست ابدا بالعلة المستقلة.
لذلك أتمنى منك ان تتوقف معي قليلًا بشيء من التواضع أمام سؤال المقال (إذا لم أكن أنا… فمن كنت سأكون؟) من دون استعجال في الإجابة عليه. اخي, من كان سيكون مكانك؟ هل كان سيكون "انت" نفسك ولكن بتغيير بسيط, ام انه ثمة شخص اخر تماما ليس له أدني علاقة بال "انت" السابق؟ قد يبدو الجواب للوهلة الأولى سهلا يسيرا وفي متناول اليد, لأنه ببساطة ربما سيكون ردك, سيكون شخصا آخر. لكن انتظر! فالتساؤل لا يستفسر عن إنسان آخر "ما" كائنا من كان "وبس"، بل انه يسأل عن “أنت”. هل يمكن لـ ”أنت” (شخصيتك وماهيتك) أن تنتقل وتحل في جسد آخر؟ وهل لو حدث ان تغيرت الظروف التي سبقت ولادتك، هل كنا سنحصل على أنت نفسه, ولكن مصبوغا بملامح مختلفة؟ أم أن “أنت” ما كان ليكون موجود أصلًا, ولاستحال عدما محضا؟ ارجو ان لا تسيئ فهمي فانا هنا لا أصبو الى تصميم لعبة لغوية للتسلية! ما ارنو اليه ياصديقي هو محاولة الإجابة عن هذا الاستفهام الجوهري البريء, والذي بدوره ينتظر منك انت بعض التأمل لأنه يمس أصل وجودك، وربما سيكون سببا لك لكي تعيد النظر بحيادية وتجرد في أكثر الأشياء التصاقا بك، الا وهي هويتك التي تنطق وتفكر من خلال عدستها كلما قلت "أنا".
تذكر أنك قد قدمت إلى هذا العالم بعد سلسلة طويلة من الأحداث التي لم تختر انت شيئًا منها. قطعا, فانت لم تختر أن تولد في هذا القرن دون غيره، ولا في ربوع هذه المدينة المباركة، ولا ان تنحدر من هذين الأبوين حفظهما الله، ولا أن تتحدث العربية بطلاقة، فلم يكن لك أدني قرار في انتخاب هكذا محيط. بل إن لحظة تكوينك نفسها كانت مرتبطة بتفاصيل دقيقة يعجز العقل عن إحصائها. فلو افترضنا انه قد تقدم الزمن بك لدقيقة واحدة فقط، أو انه تأخر، او تبدلت بعض الأسباب التي سبقت نشأتك، لكان الذي سيولد إنسانًا آخر ليس انت. بديلك هذا كان يمكن ان يشبهك في بعض الصفات من باب الصدفة المحضة، ولكنه أساسا لن يكون نفس ذات "أنت". وهذا يقودنا الى التسليم بأن “الأنا” التي تعيشها انت الآن لم تكن نتيجة حتمية، بقدر ما انها قد جاءت بعد منظومة متكاملة متسلسلة ومترابطة من الأسباب والاحداث المتعلقة ببعضها البعض, التي شاء الله لها أن تجتمع كلها في لحظة واحدة, تمهيدا لبزوغ فجرك في ذلك الظرف والزمكان المعلوم.
وقد يقول قائل, إذًا لكنت سأصبح شخصًا آخر، وتلك عبارة تنم عن نقص في المراجعة والتدقيق. لأن الشخص الآخر ليس هو نسخة متطابقة معك، بل هو ذات أخرى تمتلك وعيها الخاص بها، وذكرياتها المميزة، وتجربتها الملموسة, وكل ذلك مغاير لما لديك. ببساطة, رسالتي الواضحة لك انه لم يكن يوجد مقعد فارغ اسمه “أنت” قد كان في انتظار أي فرد ليجلس عليه فاتفق ان كنت انت من قد قام بملئه مصادفة. فلو لم تكن قد تحققت أسباب وجودك التي كانت بإرادة الله ومشيته وتقديره, إذا لم تتأكد أسباب وجودك اصلا، وعندها سوف لن ينتقل وعيك إلى إنسان آخر، لسبب بسيط وهو أنك لم تكن لتوجد ك "أنت", بادئ ذي بدء. اسمح لي ان اعيد صياغة الاستفهام من "من كنت سأكون" الى "هل كان يمكن أن يكون هناك “أنا” بديل عني؟" أتمنى ان تكون الصورة واضحة لديك وأنك كلما امعنت النظر في هذا المدار، أدركت أن وجودك أكثر إدهاشًا مما قد اعتدت أن تظنه.
ولعل العلم يزيد من اتساع افق هذا الإدهاش وهذه الحيرة.
فمعلوم ان تكوين الإنسان يبدأ جراء لقاء هادف بين خلية واحدة من الأب واخرى مقابلة من الأم، من بين ملايين الخلايا وفي وسط احتمالات لا حصر لها. ولو انه قد اختلفت تلك اللحظة الحاسمة، أو سبقها أو لحقها تغير يسير، لتكون إنسان مختلف وراثيًا، مائز في بنيته وتكوينه. والعلم وهو يصف هذه الآلية، يبقى عاجزا عن ان يجيب بعمق, لماذا كنت أنت هذا الإنسان بالذات؟ وكيف اجتمعت كل تلك الأسباب لتصنع شخصًا واحدًا له هذا الوعي، في خضم تلك الرحلة الحياتية، وبهذا الاسم؟
دعنا نطل من نافذة تتعدى حدود عالمنا المادي ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾؟ نعم, لقد مر عليك زمان لم تكن فيه موجودًا كمادة، ثم بت حاضرا روحا ومادة بإرادة من الله. وقوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ليس هو إلغاءً للأسباب، بل إحاطة وتقدير لمقتضياتها. فالسبب كان في موضعه الصحيح، بتوقيت ومكان وظرف مخطط له سلفا، كل هذا كان موجبا لكينونتك أنت لا غيرك, بعلمه وحكمته وتدبيره.
هذا يأخذ بأيدينا بهدوء الى تساؤل آخر أكثر الحاحا. إذا كان وجودي هو هبة من الله سبحانه وتعالى، فمن أين جاء هذا الشعور لدي بالاستقلال المطلق, والذي طالما يتملكني؟ يالها من مفارقة عجيبة, فمع انني اعلم يقينا أنى لم أتخير بداية حياتي، ولا المقومات الأولى التي بُنيت عليها شخصيتي. لم يكن لي راي في تحديد مستوى ذكائي، ولا اي من قدراتي الفطرية، ولا نوع الأسرة التي احتضنتني، ولا صبغة المجتمع الذي ساهم في تشكيل لغتي وثقافتي، ولا آلاف الاحتماليات الاخرى التي فتحت لي أبوابًا وسدت في وجهي فرصا أخرى لا حصر لها. حتى شأن استمرار حياتي من عدمه إلى هذه اللحظة لم يكن يوما امره بيدي، وهناك من لم يحالفه الحظ لينجز المهمة التي في يده، بالإضافة الى ذلك القلب الذي قد توقف فجأة ومن دون سابق إنذار. بعد هذا كله, اليست كينونتي وتوفيقي هي نعم وجودية تسبق كل إنجاز ربما اتفاخر به امام اقراني؟
لا, لا تسئ فهمي، فانا لم اقل أنى لم أساهم ابدا باي طريق كان في نجاحاتي, وانه لا دور لي مطلقا فيما قد حققت، ولا قيمة لمجهوداتي. ما قصدت قوله هو ان السعي نفسه كان دائما وابدا يحتاج الى أرضية انا لم أكن أحسن ان اصطنعها لنفسي قط. وبالمثل, فأنت يا اخي في هذه اللحظة تجتهد بعقل لم تخلقه، وتمشي بساقين ما كان لك ان تصنعهما، وتتعلم بقدرة عصية على الفهم لم تكن قد منحتها لنفسك، وتستثمر فرصًا لم تدعي ان أي منها هو من صناعتك. إن مشاركتك الحقيقية تبدأ بعد أن تستلم كل هاتيك الهبات وما اكثرها وأعظمها، فتختار كيفية توظيفها لبلوغ مرامك. ولذلك كان الإنسان مسؤولًا عن عمله، لكنه ليس مالكًا لأصل النعمة التي مكّنته من بلوغ مرامه بذلك العمل.
تذكر ان لا تغتر بعملك ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وانسب التوفيق الى الله ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. ذلك هو النور الذي يجعل سعيك يصل إلى غايته. وكلما اتسعت رؤية الإنسان لأصول النعم التي قامت عليها حياته، ازداد تواضعًا وشكرًا، وأيقن أن الافتخار الحقيقي يكون بحسن ادارة تلك النعم التي قد تقمصها.
ختاما, فلنجب على سؤال المقال بكلمة واحدة (لا اعلم). لأن الله لم يخلق “أنت” لتجلس على مقعد شاغر متاح لمن استطاع ان يشغله أولا, كائنا من كان. لقد ابتدعك لرحلة هادفة مملوءة بابتلاءات تتناسب وقدراتك، ووادع فيك من المواهب ما يؤهلك للقيام بمسئولياتك على أكمل وجه. فإذا ما أدركت أن وجودك هو عطاء، مدعوم بالاستمرار والتوفيق فسوف يتلاشى من قلبك الكبر، وعلى العكس ستمتلئ روحك امتنانًا. عندها سيكون شغلك الشاغل هو ماذا سأصنع بكل هذه البركات قبل أن أعود إلى الواهب المتفضل الحنان المنان؟ وصيتي الأخيرة لكما أيها القارئ والقارئة العزيزين, قبل ان تقولا "انا" تريثا وتأنيا.



