أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (8)

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالسبت 25 يوليو 2026، 2:57 م
الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (8)

هندسة الوعي قبل صناعة القرار

التعامل مع الواقع الصعب بعين الهدوء النفسي، وتحمل المسؤولية، وامتلاك الإرادة في التغيير المتناسب مع قدرات الفرد وإمكاناته، تربيةٌ وتقويمٌ مستمران لسلوك الفرد، وثقافةٌ يتلقاها من محيطه الأسري والتعليمي. وهذا ما يجعل مهمة صناعة وصياغة الشخصية الواعية فكريًا وأخلاقيًا ومهاريًا هدفًا ساميًا تعمل نواة المجتمع (الأسرة) على تحقيقه وإنجازه؛ إذ إن الزاد المعرفي وتكوين الحافظة المعلوماتية ليسا هدفًا بحد ذاتهما، بل وسيلة لتوظيفهما على أرض الواقع في التعامل مع مختلف العلاقات والمواقف والأزمات، فيُحسن الفرد في المحصلة النهائية استخدام المعرفة في خدمة الإنسان والمجتمع في مسيرته التنموية والازدهارية.

المعرفة النظرية لها دور مهم في تنوير الطريق، وتحديد الحقائق والمفاهيم، والتعاطي مع مختلف الأحداث بصورة واضحة، ولكن هل هذا القبس النوراني في العقل يشكل وحده الدعامة المهمة في حفظ السلوك الإنساني من الانجراف والسقوط؟

المعرفة وحدها بالطبع لا تكفي، بل نحتاج إلى بلورتها وتكوينها في صورة خرائط ذهنية، وطرائق معالجة، وتحمل مسؤولية إثبات الوجود وتشكيل معالم الشخصية. فالشخصية الوازنة والفاعلة تستطيع تحمل مسؤولية وضع القدم على سكة العمل المثابر، واتخاذ القرار المناسب في أصعب الظروف، والمحافظة على ضبط النفس. وإن الاتزان والهمة العالية لا يأتيان من فراغ، بل هما نتاج تربية ومتابعة وتوجيه يتلقاه الفرد من محيط يعزز فيه نقاط القوة والتأثير.

العقل الواعي هو صمام الأمان للإنسان في كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتصرفات، فيسير بسلوك الإنسان وفق خط الاتزان والحكمة والاستقامة، ويبدد سحاب الجهالة والتصرفات الانفعالية والعاطفية العمياء، ويمنح الفرد قدرة على النظر في النتائج والآثار المترتبة على أي فكرة أو خطوة، فيتخذ قراره بالفعل أو التوقف بناءً على ذلك.

ومن خلال هذا العقل الواعي، يحسن الإنسان استثمار قدراته وتوجيهها، واغتنام الأوقات لتكون وسيلته لتحقيق أهدافه التي يصبو إليها. وهذا ما يوصلنا إلى مفهوم حسن إدارة الطاقة والمحافظة عليها بعيدًا عن الاستنزاف الناتج عن الدخول في مواقف هامشية أو عقيمة لا جدوى منها.

فالإنسان لا يملك من العمر والجهد إلا مقدارًا محدودًا، وهذه حقيقة لا ينبغي إغفالها. ومن الحكمة ألا يبدده في خصومات عقيمة، أو انفعالات مؤقتة، أو قضايا لا تضيف إلى حياته قيمة. فإن العقل الناضج يختار أين يبذل جهده، ويحدد ميدان عمله، ويعرف متى يتكلم ومتى يصمت بحسب مقتضيات الموقف والعلاقة والتأثير والنتيجة المترتبة على الكلمة، كما يعرف متى ينسحب من نقاش انفعالي، أو حوار ساخن، أو جدال عقيم، دون أن يشعر بالهزيمة جراء ذلك.

الوعي العقلي والمعرفي لا يعني أن الإنسان لا يتعرض للأزمات أو الإخفاق أو العراقيل في مختلف محطات حياته، بل يعني القدرة على التعامل معها بعقلانية وثبات، بعيدًا عن الخطوات والقرارات غير المدروسة والمتهورة، وهو ما يخفف من النتائج المترتبة على المحطات الصعبة، ويجعل الفرد قادرًا على التعامل معها بمسؤولية وصبر، بل ويحول المواقف الصعبة إلى دروس تبني الشخصية وتزيدها نضجًا وفهمًا لسنن الحياة.

فكل معرفة لا تتحول إلى حكمة في القرار، واتزان في السلوك، ومسؤولية في الموقف، تبقى معلومة في الذهن، لا نورًا يهدي في دروب الحياة.