الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من الطفل المبدع إلى الطفل المستهلك (2 من 4).. كيف غيّرت الألعاب المصنّعة ثم الإلكترونية طريقة تفكير الأطفال؟

فؤاد المشيخص · القطيف اليومالإثنين 27 يوليو 2026، 9:23 ص
من الطفل المبدع إلى الطفل المستهلك (2 من 4).. كيف غيّرت الألعاب المصنّعة ثم الإلكترونية طريقة تفكير الأطفال؟

مع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها المملكة العربية السعودية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بدأت الأسواق تستقبل أنواعًا متزايدة من الألعاب المستوردة، وأصبحت متاجر الألعاب جزءًا من المشهد اليومي في المدن الكبرى، ومنها مدن المنطقة الشرقية كالدمام والخبر والجبيل والقطيف والأحساء.

ولم يعد الطفل مضطرًا إلى صناعة لعبته بنفسه، بل أصبحت اللعبة تصل إليه جاهزة بألوانها الزاهية وأشكالها الجذابة وخصائصها المتطورة. ومع مرور الوقت، أصبح الحصول على لعبة جديدة مرتبطًا بالمناسبات أو التفوق الدراسي أو الهدايا، فتحولت اللعبة من نتاج للإبداع الشخصي إلى منتج صناعي يقتنيه الطفل ويستخدمه كما صُمم له.

ورغم أن هذا التحول حمل جوانب إيجابية عديدة، فإنه غيّر بصورة تدريجية طبيعة العلاقة بين الطفل واللعبة، وأعاد تشكيل طريقة التفكير والتعلم لديه.

من الإنتاج إلى الاستهلاك: في الماضي كان الطفل يبدأ من الصفر؛ يبحث عن المواد، ويختار الأدوات، ويجرب، ويخطئ، ويعدّل، ثم ينجح في النهاية في إنتاج لعبة بسيطة. وكانت هذه الرحلة بأكملها تمثل عملية تعليمية متكاملة.

أما في المرحلة الجديدة، فقد أصبحت جميع خطوات التصميم والتصنيع قد أُنجزت مسبقًا داخل المصانع، ولم يبق للطفل سوى فتح العلبة وبدء اللعب.

وهنا حدث تحول تربوي مهم؛ إذ انتقل الطفل من دور "المُنتِج" إلى دور "المستهلك". فبدلًا من أن يفكر في كيفية صناعة اللعبة، أصبح يفكر في كيفية الحصول على لعبة أحدث أو أكبر أو أكثر تطورًا.

ولم يكن هذا التحول سلبيًا بالكامل، فقد أتاحت الألعاب الحديثة للأطفال التعرف إلى تقنيات جديدة، والتعامل مع أشكال متنوعة من المجسمات والآلات والألعاب التعليمية، وأسهمت في تنمية بعض القدرات الإدراكية، إلا أنها في المقابل قللت من فرص ممارسة مهارات الابتكار اليدوي وصناعة الأشياء من البيئة المحيطة.

الألعاب المصنّعة... فوائد لا يمكن إنكارها

تميزت الألعاب الحديثة بعدد من المزايا، من أبرزها:

• ارتفاع مستوى السلامة مقارنة بكثير من الألعاب التقليدية.

• تنوع كبير يناسب مختلف الأعمار والقدرات.

• ظهور ألعاب تعليمية تساعد على تعلم الحروف والأرقام واللغات والعلوم.

• تطوير بعض المهارات الحركية الدقيقة من خلال ألعاب التركيب والبناء.

• تحسين التآزر بين العين واليد في بعض الأنشطة.

• توفير ألعاب تنمي التفكير المنطقي، مثل المكعبات والألغاز وألعاب التركيب.

كما أسهمت الشركات العالمية في تصميم ألعاب تراعي المراحل العمرية المختلفة، وأدخلت مفاهيم تعليمية مبتكرة جعلت التعلم أكثر متعة.

ولكن...

في المقابل بدأت ملامح تغير اجتماعي تظهر بصورة تدريجية.

فالألعاب التي كانت تُصنع جماعيًا في الحي أصبحت تُشترى بصورة فردية، وأصبح الطفل يقضي وقتًا أطول داخل المنزل مقارنة بالأجيال السابقة.

كما بدأت المساحات المفتوحة التي كانت تمثل ملعبًا طبيعيًا للأطفال تتراجع مع التوسع العمراني، وأصبحت مراكز الألعاب المغلقة والمنازل البديل الرئيس عن الساحات الشعبية.

ومع هذا التغير بدأت تقل ساعات الحركة اليومية، وإن كان هذا الانخفاض في بدايته محدودًا مقارنة بما سيحدث لاحقًا مع ظهور الهواتف الذكية والألعاب الرقمية.

دخول الألعاب الإلكترونية... بداية التحول الكبير

في نهاية الثمانينيات ثم التسعينيات دخلت أجهزة الألعاب الإلكترونية إلى معظم البيوت السعودية، بدءًا من أجهزة الألعاب المنزلية الأولى، ثم تطورت سريعًا مع ظهور أجهزة أكثر تقدمًا، وأصبحت الرسوم ثلاثية الأبعاد، والمؤثرات الصوتية، والقصص التفاعلية، عوامل جذب قوية للأطفال.

ولأول مرة أصبح الطفل قادرًا على خوض مغامرات كاملة وهو جالس في مكانه، فلم يعد يحتاج إلى الجري أو القفز أو الخروج إلى الحي، بل أصبحت الشاشة هي الملعب، وأصبح جهاز التحكم هو الوسيلة الرئيسة للتفاعل.

ورغم أن هذه الألعاب ساعدت في تنمية بعض القدرات مثل سرعة الاستجابة البصرية، واتخاذ القرار في مواقف محددة، والتعامل مع الأنظمة الرقمية، فإنها بدأت تقلل تدريجيًا من النشاط البدني اليومي، ومن فرص التواصل المباشر مع الأقران.

تغير في مفهوم اللعب:

في ألعاب الماضي كان الطفل هو من يضع القواعد أحيانًا، ويعدلها، ويتفق عليها مع أصدقائه، ويبتكر أفكارًا جديدة أثناء اللعب.

أما في الألعاب الإلكترونية فقد أصبحت القواعد مبرمجة مسبقًا، ولا يستطيع الطفل تجاوزها إلا ضمن ما يسمح به مصمم اللعبة.

وهذا يعني أن مساحة الإبداع الحر تقلصت في كثير من الألعاب، مقابل زيادة الاعتماد على أنماط لعب جاهزة ومحددة سلفًا.

ماذا خسر الطفل؟

مع الانتقال إلى الألعاب المصنعة ثم الإلكترونية بدأت بعض المهارات التقليدية تتراجع، ومنها:

• صناعة الأشياء باليد.

• إصلاح الألعاب وصيانتها.

• استثمار خامات البيئة.

• التفاوض المباشر مع الأصدقاء.

• قيادة المجموعات في الألعاب الشعبية.

• تحمل المسؤولية الجماعية أثناء اللعب.

• تنمية اللياقة البدنية من خلال الحركة المستمرة.

كما أصبح كثير من الأطفال يعتمدون على الإثارة السريعة التي توفرها الألعاب الإلكترونية، مما جعل بعضهم يجد صعوبة في الاستمتاع بالأنشطة التي تحتاج إلى صبر أو جهد أو وقت أطول.

ماذا كسب الطفل؟

في المقابل اكتسب أطفال هذا الجيل مهارات جديدة، من أهمها:

• سرعة التعامل مع التقنيات الحديثة.

• التفاعل مع البيئات الرقمية.

• تحسين بعض المهارات البصرية.

• اكتساب مفاهيم أولية في البرمجة والتقنية من خلال بعض الألعاب التعليمية.

• التواصل مع لاعبين من ثقافات مختلفة عبر الإنترنت.

• تعلم بعض اللغات الأجنبية بصورة غير مباشرة.

إذن، لم يكن التحول خسارة كاملة أو مكسبًا كاملًا، بل كان انتقالًا من مجموعة من المهارات إلى مجموعة أخرى، ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين النوعين.

مؤشرات صحية تستحق التوقف:

بالتوازي مع زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، بدأت تظهر مؤشرات صحية مقلقة على المستوى الوطني.

فقد أشارت بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن نسبة ملحوظة من الأطفال في المملكة تعاني من زيادة الوزن والسمنة، كما أظهرت المسوحات الوطنية انخفاض نسبة الأطفال الذين يمارسون النشاط البدني بالمعدل الموصى به، مع ارتفاع الوقت الذي يقضونه في السلوكيات الخاملة، مثل استخدام الأجهزة الإلكترونية ومشاهدة الشاشات.

ولا يمكن الجزم بأن الألعاب الإلكترونية هي السبب الوحيد لهذه الظواهر، فهناك عوامل متعددة تشمل التغذية، ونمط الحياة، والبيئة العمرانية، وأساليب التربية، إلا أن الدراسات تؤكد أن زيادة الجلوس أمام الشاشات وقلة الحركة يمثلان عاملين مهمين في ارتفاع احتمالات السمنة وضعف اللياقة البدنية واضطرابات النوم وبعض المشكلات النفسية لدى الأطفال.

المنطقة الشرقية... نموذج للتحول:

شهدت المنطقة الشرقية، شأنها شأن بقية مناطق المملكة، هذا التحول بوتيرة سريعة، نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة، وانتشار الأجهزة الذكية، وتطور خدمات الإنترنت، وزيادة الاعتماد على التقنيات الرقمية في التعليم والترفيه.

وأصبح من المألوف أن يقضي بعض الأطفال ساعات طويلة داخل المنزل أمام الشاشات، في حين تراجعت نسبة الوقت المخصص للعب الحر في الأحياء والحدائق مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقود.

ولا يعني ذلك اختفاء الألعاب التقليدية تمامًا، لكنها أصبحت تُمارس غالبًا في المناسبات التراثية أو الفعاليات المجتمعية، بعد أن كانت جزءًا من الحياة اليومية للأطفال.

نحو مرحلة جديدة:

إذا كان الانتقال من الألعاب اليدوية إلى الألعاب المصنعة قد غيّر طريقة اللعب، فإن الانتقال إلى الألعاب الإلكترونية غيّر أسلوب الحياة، أما المرحلة القادمة فهي أكثر عمقًا؛ إذ لم تعد اللعبة مجرد برنامج على شاشة، بل أصبحت عالمًا افتراضيًا متكاملًا يعيش فيه الطفل، ويتفاعل مع شخصيات رقمية، ويكوّن صداقات افتراضية، وربما يقضي فيه ساعات أطول مما يقضيه في العالم الحقيقي.

وهنا تبدأ مرحلة جديدة تفرض على الأسرة والمجتمع والتربويين تحديات غير مسبوقة، وهو ما سيتناوله الجزء الثالث.

في الجزء الثالث سأنتقل إلى العالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي، مع تحليل أثره في النمو العقلي والنفسي والاجتماعي للأطفال، ومناقشة مستقبل اللعب في المملكة العربية السعودية، مدعومًا بأحدث الدراسات والإحصاءات.