أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين تصبح المائدة امتحانًا للصحة

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالأحد 9 أغسطس 2026، 1:35 م
حين تصبح المائدة امتحانًا للصحة

نحن نأكل كل يوم، ونادرًا ما نسأل أنفسنا: ماذا لو أصبح الطعام الذي نحبه ممنوعًا علينا؟

فالطعام من نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان، والمائدة ليست مجرد أطباق، بل هي اجتماع وفرح وذكريات. لكن علاقتنا بالطعام تختلف من شخص إلى آخر؛ فما يكون لذيذًا ومحبوبًا عند أحدهم قد يكون ممنوعًا أو مؤذيًا أو غير مقبول عند غيره.

طعام محبوب قد يصبح خطرًا

من الأمثلة اللافتة نقص إنزيم G6PD، المعروف بأنيميا الفول . فقد يؤدي تناول الفول لدى بعض المصابين إلى تكسّر كريات الدم الحمراء وحدوث انحلال الدم، ولذلك يُنصح المصاب بتجنب ما يسبب له هذه المشكلة.

وهنا تظهر المفارقة: الطعام الذي يمنح شخصًا متعة قد يكون سببًا للضرر عند شخص آخر.

والأمر نفسه ينطبق على بعض المصابين بالحساسيات الغذائية؛ فقد يسبب طعام معين لديهم أعراضًا جلدية أو تنفسية أو هضمية، وقد تكون شديدة في بعض الحالات.

حين يفرض المرض اختياراته

بعض الأمراض لا تمنع الإنسان من الطعام، لكنها تجعله أكثر حرصًا في اختياراته.

فمريض السكري يحتاج إلى تنظيم السكريات والكربوهيدرات، ومريض ضغط الدم يحتاج إلى تقليل الملح والصوديوم، وبعض مرضى الكلى يحتاجون إلى تنظيم بعض العناصر الغذائية والسوائل بحسب حالتهم وتوجيه الطبيب.

وهكذا قد يجلس أشخاص عدة إلى مائدة واحدة، لكن لكل واحد منهم حساباته الخاصة؛ فهذا يأكل ما يشتهي، وذاك يراقب الكمية، وآخر يترك طبقًا يحبه لأن صحته لا تسمح له به.

ليس كل من يترك الطعام مريضًا

هناك من ينفرون أو يتقززون من أطعمة معينة، رغم أنها لذيذة ومحبوبة عند غيرهم. وقد يكون السبب الرائحة أو الشكل أو الملمس أو تجربة سابقة.

فقد يرى شخص طبقًا شهيًا فيرغب فيه، بينما يرى شخص آخر الطبق نفسه ولا يستطيع تقبله. وهذا لا يعني بالضرورة وجود مرض، بل هو اختلاف في الذوق والحواس والتجارب.

لذلك نجد من يُمنع من الطعام بسبب المرض، ومن يتركه بسبب النفور، ومن يستطيع تناوله لكنه يفرط فيه.

احترام اختيار الآخر

في المناسبات والولائم قد لا نعرف سبب رفض شخص لطعام معين، لذلك لا ينبغي الضغط عليه أو إحراجه؛ فما يبدو لنا لقمة عادية قد يكون بالنسبة إليه خطرًا صحيًا أو مصدر ضيق.

احترام اختيار الإنسان لما يأكل هو احترام لصحته وراحته.

الصحة أغلى من الطعام

ويُروى في معنى قريب من ذلك أن رجلًا غنيًا ورجلًا فقيرًا اجتمعا على مائدة، وكان الغني يملك المال ليشتري ما يشتهي، لكنه لم يكن قادرًا على تناول بعض الأطعمة بسبب مرضه، بينما كان الفقير يستطيع أن يأكل مما هو متاح له.

فقال الغني للفقير: أعطني صحتك وأعطيك مالي.

وبغض النظر عن صحة القصة تاريخيًا، فإن معناها يحمل درسًا مهمًا: قد يستطيع المال أن يشتري الطعام، لكنه لا يستطيع أن يشتري الصحة التي تمكن الإنسان من الاستمتاع به.

الطعام نعمة ومسؤولية

القيود الغذائية ليست دائمًا حرمانًا؛ فقد تكون وسيلة لحماية الإنسان.

فامتناع المصاب بنقص G6PD عن الفول، وتنظيم مريض السكري لغذائه، وتقليل مريض الضغط للملح، كلها أمثلة على أن الإنسان قد يترك بعض الأطعمة حفاظًا على صحته.

فالنعمة ليست أن يكون كل شيء متاحًا لنا، وإنما أن نملك الصحة والوعي لاختيار ما يناسب أجسادنا.

إذا استطعت أن تجلس إلى المائدة وتأكل دون خوف أو ألم، فتذكر أن هذه نعمة قد لا نشعر بقيمتها إلا عندما نفقد جزءًا منها.

قد تختلف الأطباق على موائد الناس، وقد تختلف قدرتهم على تناولها، لكن أعظم ما يجتمعون عليه هو نعمة الصحة.

فحين ندرك أن بعض الناس يخوضون مع كل وجبة امتحانًا حقيقيًا مع صحتهم، سننظر إلى مائدتنا بعين الشكر لله سبحانه وتعالى قبل عين الشهية.

فحين تصبح المائدة امتحانًا للصحة، يصبح كل طعام نستطيع تناوله بأمان نعمة تستحق الحمد.