الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.. دعوةٌ إلى الفاعلية والحيوية

رضي العسيف · القطيف اليومالأربعاء 12 أغسطس 2026، 9:11 ص
الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.. دعوةٌ إلى الفاعلية والحيوية

الناجحون في هذه الحياة لا يكتفون بالأمنيات الجميلة، ولا يعيشون في دائرة الأفكار والنظريات فحسب، بل يحوّلون أفكارهم إلى عمل، وطموحاتهم إلى حركة، وأهدافهم إلى إنجاز.

إنهم أصحاب جدٍّ ونشاط، يعرفون قيمة الوقت، ويبتعدون عن الكسل والخمول والتسويف، ويؤمنون بأن الحياة ميدانٌ للعمل، وأن الإنسان كلما كان أكثر فاعليةً وحيويةً كان أقرب إلى تحقيق أهدافه وصناعة مستقبله.

وحين نتأمل كلمات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، نجد فيها منهجًا تربويًا عظيمًا لبناء الإنسان الفاعل؛ فالرسول صلى الله عليه وآله يريد للإنسان أن يكون حاضرًا في الحياة: عاملًا، مبادرًا، منتجًا، يصنع أثره ولا يكتفي بمراقبة الآخرين.
ومن أبرز ملامح هذه الشخصية:

كن من أهل العمل
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا».[1]

في هذه الكلمة دعوة إلى العمل المتوازن المستمر؛ فالنجاح لا يحتاج دائمًا إلى أعمال ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى خطوات ثابتة تتكرر وتتراكم حتى تصنع الإنجاز.

لذلك، لا تجعل الفراغ أسلوب حياة، ولا تعتد الجلوس بلا هدف. وحتى في أيام الإجازة، اجعل لك نصيبًا من العمل النافع؛ اقرأ، تعلّم، مارس الرياضة، رتّب غرفتك، أنجز بعض مهام المنزل، صِل رحمك، أو مارس هوايةً تنمّي مهاراتك.
المهم أن تبقى في دائرة الحركة الإيجابية.
فالعمل الناجح ليس اندفاعًا مؤقتًا يعقبه الانقطاع، وإنما هو جهد متوازن ومستمر.
اعمل بما تستطيع، ولكن لا تجعل الخمول عنوان يومك.

ابتعد عن الكسل والضجر
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إيّاك والضجرة والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤدِّ حقًا».[2]
إنهما آفتان تقفان في طريق الإنجاز:
الكسل يطفئ طاقة الإنسان، ويؤخر أعماله، ويضيّع فرصه، ويحوّل الكثير من الطموحات إلى مجرد أمنيات.

أما الضجر فهو السأم والتبرّم وفقدان الرغبة في الاستمرار؛ فيبدأ الإنسان عمله بحماس، ثم ما يلبث أن يتراجع عندما يحتاج الطريق إلى صبر أو تكرار أو وقت أطول.

وكم من مشروع بدأ بحماس ثم توقف بسبب الضجر!
وكم من طالب امتلك القدرة على التفوق، لكنه خسرها أمام الكسل!
وكم من هدف جميل بقي أمنيةً لأن صاحبه لم يصبر على الطريق!
لذلك، درّب نفسك على الجد والاجتهاد، واصنع لنفسك عادة الاستمرار، ولا تربط إنجازك دائمًا بمزاجك ورغبتك اللحظية.
مارس أعمالك بروح من النشاط والفاعلية، ولا تجعل الكسل يتسلل إلى تفاصيل حياتك.
بل حتى عبادتك، أدِّها بروح النشاط والحضور؛ فالصلاة ليست حركات يؤديها الإنسان بتثاقل، وإنما لقاء روحي يحتاج إلى حضور القلب والإقبال على الله تعالى.

لا تجعل «سوف» شعارك
قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر:
«يا أبا ذر، إيّاك والتسويف بأملك، فإنك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن غدٌ لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غدٌ لك لم تندم على ما فرّطت في اليوم».[3]
التسويف من أكثر العادات التي تسرق الإنجاز من حياة الإنسان.
سوف أبدأ غدًا...
سوف أقرأ لاحقًا...
سوف أمارس الرياضة الأسبوع القادم...
سوف أنجز المشروع عندما أجد الوقت المناسب...
وتتكرر كلمة «سوف»، بينما تمضي الأيام ويبقى العمل في مكانه.
الإنسان الفاعل لا ينتظر دائمًا الظروف المثالية، بل يبدأ بما يملك، ومن المكان الذي يقف فيه.
إذا كان لديك عمل تستطيع إنجازه اليوم، فلا تؤجله إلى الغد.
وإذا كانت أمامك خطوة صغيرة تقرّبك من هدفك، فابدأ بها.
حوّل التسويف إلى مبادرة، والتردد إلى خطوة، والأمنية إلى عمل.
واستبدل عبارة:
«سوف أفعل»
بعبارة:
«سأبدأ الآن».

الفاعلية أسلوب حياة
وهكذا يرسم لنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله منهجًا عمليًا للفاعلية والحيوية:
عملٌ بدل الفراغ،
وجدٌّ بدل الكسل،
وصبرٌ بدل الضجر،
ومبادرةٌ بدل التسويف.
إن الفاعلية ليست حماسًا عابرًا، بل أسلوب حياة؛ أن تستيقظ وأنت تعرف أن ليومك قيمة، ولوقتك رسالة، ولعملك أثرًا.
ولعل من أجمل الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا في بداية كل يوم:
ما العمل النافع الذي سأقوم به اليوم؟
فالحياة لا تُصنع بالأمنيات وحدها، وإنما تصنعها الخطوات التي نبدأ بها، والأعمال التي نداوم عليها.
كن فاعلًا...
كن مبادرًا...
ولا تدع يومك يمرّ بلا عمل نافع، أو خطوة إلى الأمام، أو أثر جميل يبقى بعدك.

المصادر
[1] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ح 6465.
[2] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 77، ص 48، ح 3.
[3] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 77، ص 75، ح 3.