الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ذاتية الجوع وذاتية العطش… لماذا تختلف إشارات أجسامنا؟

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالخميس 13 أغسطس 2026، 9:22 ص
ذاتية الجوع وذاتية العطش… لماذا تختلف إشارات أجسامنا؟

إشارات الجسم ليست متطابقة… والطب الشخصي يفسر السبب.

لماذا يجوع بعض الناس سريعًا، بينما يستطيع آخرون البقاء ساعات طويلة دون طعام؟ ولماذا يشعر بعضهم بالعطش مع أول بوادر الحر، في حين لا ينتبه إليه آخرون إلا بعد أن يفقدوا قدرًا من سوائل أجسامهم؟

قد يجلس شخصان إلى مائدة واحدة، يتناولان الطعام نفسه وفي الوقت نفسه، ثم يجوع أحدهما بعد ساعات قليلة، بينما يبقى الآخر شبعانًا حتى نهاية اليوم. وكذلك قد يعمل شخصان في المكان نفسه وتحت الظروف نفسها، فيطلب أحدهما الماء مرارًا، بينما لا يشعر الآخر بالحاجة إليه إلا بعد وقت طويل.

ويمكن أن نطلق على هذه الظاهرة اسم ذاتية الجوع وذاتية العطش؛ أي اختلاف الشعور بهما من شخص إلى آخر، وهو مظهر من مظاهر التنوع الفسيولوجي الطبيعي بين البشر.

ولا يعني ذلك أن حاجة الجسم إلى الماء أو الطعام تختلف، وإنما تختلف استجابة مراكز متخصصة في الدماغ للإشارات القادمة من الجسم. فهي تستقبل معلومات دقيقة عن توازن السوائل والطاقة وتركيز الأملاح، ثم تترجمها إلى شعور بالجوع أو العطش.

ففي العطش، يراقب الجسم تركيز الأملاح وحجم السوائل، ثم تنبه مراكز العطش في الدماغ إلى الشرب عند الحاجة. إلا أن حساسية هذه المراكز تختلف بين الناس، لذلك قد يشعر بعضهم بالعطش مبكرًا، بينما يتأخر عند آخرين، ولا سيما كبار السن، الذين قد يكونون أكثر عرضة للجفاف بسبب ضعف الإحساس بالعطش.

أما الجوع، فلا يعتمد على فراغ المعدة وحده، بل تنظمه هرمونات، مثل الجريلين واللبتين، إلى جانب مستوى سكر الدم، والنوم، والنشاط البدني، والحالة النفسية، والعادات الغذائية. ولهذا قد يجوع شخص أسرع من غيره رغم تشابه الظروف.

ولم يعد هذا التفاوت مجرد ملاحظة يومية، بل أصبح محورًا للأبحاث الطبية الحديثة، التي أظهرت أن اختلاف استجابة الدماغ والهرمونات، إلى جانب العمر والصفات الوراثية، يفسر جانبًا من اختلاف الشعور بالجوع والعطش. وقد أصبح فهم هذا الاختلاف أحد الأسس التي يقوم عليها الطب الشخصي، الذي يهدف إلى تصميم الوقاية والعلاج وفق خصائص كل فرد، بدلاً من الاكتفاء بتوصيات عامة للجميع.

ولهذا يحرص الطبيب على علاج المريض لا المرض وحده، لأن استجابة الأجسام ليست واحدة، كما أن النصائح الصحية قد تحتاج إلى شيء من التخصيص لتناسب طبيعة كل إنسان.

ومن المهم التفريق بين الحاجة الفسيولوجية والرغبة الشخصية؛ فقد يحتاج الجسم إلى الماء قبل ظهور العطش، كما قد تدفع مشاعر الملل أو التوتر أو مجرد رؤية الطعام إلى الأكل، رغم عدم وجود حاجة حقيقية للطاقة.

لذلك لا ينبغي أن يكون الشعور وحده هو المعيار دائمًا. فالرياضيون، والعاملون في الأجواء الحارة، وكبار السن، وبعض المرضى، قد يحتاجون إلى شرب الماء بانتظام حتى دون شعور بالعطش. وكذلك قد يظن من اعتاد الوجبات الخفيفة أن كل رغبة في الطعام تعني الجوع، بينما تكون مجرد عادة أو استجابة نفسية.

إن اختلاف الجوع والعطش بين الناس ليس – في الغالب – علامة على وجود مرض، بل هو شاهد على دقة التنظيم الذي أودعه الله في أجسامنا، ودليل على أن الإنسان لا يُقاس بمتوسطات عامة، بل بخصائصه الفردية، وهو ما يسعى الطب الشخصي إلى ترجمته في الوقاية والعلاج.

وكلما ازداد العلم كشفًا لأسرار جسم الإنسان، ازداد يقيننا بدقة الخلق وإحكام التدبير، قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21].

المراجع

1. Blundell JE, et al. Appetite control: methodological aspects of the evaluation of foods. Obesity Reviews.
2. Hooper L, et al. Water-loss dehydration and aging. The Journals of Gerontology: Series A.