موضوع جميل لكنه يحتاج إلى تكملة

عندما كنت أدرس في الصف الأول متوسط، طلب منا مدرس اللغة العربية آنذاك، المعلم الفاضل الأستاذ أحمد عواد أبو معتصم رحمه الله تعالى، أن نكتب موضوع إنشاء عن العطلة الصيفية.
كنت في ذلك العمر أكتب كما أفهم وأشعر، ولم أكن أعرف شيئًا عن أساليب الكتابة أو طريقة بناء الموضوع كما نعرفها اليوم. كتبت موضوعي وسلمته للمعلم، وأنا أعتقد أنني قلت كل ما لدي، وأن الموضوع انتهى عند آخر سطر كتبته.
وعندما أعاد لنا الدفاتر، توقفت عند ملاحظته، فقد كتب لي: «موضوع جميل جدًا واستمتعت بقراءته، ولكنه يحتاج إلى تكملة».
في ذلك الوقت لم أفهم تمامًا ماذا كان يقصد بالتكملة، فقد كنت أرى أنني أنهيت الموضوع وقلت ما أريد قوله، ولم أكن أدرك أن الموضوع يمكن أن يكون جميلًا وممتعًا، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى نهاية.
مرت السنوات وبقيت تلك العبارة في ذاكرتي، وربما لم أكن أعرف وقتها أنها ستكون واحدة من الملاحظات الصغيرة التي تترك أثرًا كبيرًا في الإنسان.
كبرنا وتغيرت اهتماماتنا، وبدأنا نكتب الخواطر والمقالات، وشيئًا فشيئًا اكتشفت أن ملاحظة أستاذي لم تكن مرتبطة بموضوع إنشاء في الصف الأول متوسط فقط، وإنما كانت تتحدث عن شيء أكبر في الكتابة.
اكتشفت أن أصعب ما في الكتابة أحيانًا ليس أن تجد الفكرة، ولا أن تبدأ الموضوع.
البداية غالبًا تكون سهلة.
تأتي الفكرة فتتحرك الكلمات معها، وتتوالى الجمل، ويجد الكاتب نفسه يكتب دون أن يشعر بالوقت، ولكن عندما يصل إلى النهاية تبدأ الحيرة.
متى أتوقف؟
هل قلت كل ما أريد؟
هل هذه هي الجملة المناسبة التي أغلق بها الموضوع؟
هل أضيف فكرة جديدة أم أنني بذلك سأفسد ما كتبته؟
وهنا أعود دائمًا إلى ملاحظة أستاذي القديمة: «موضوع جميل جدًا واستمتعت بقراءته، ولكنه يحتاج إلى تكملة».
ربما كان يقصد في ذلك الوقت أن أضيف فقرة أو أن أضع خاتمة بسيطة للموضوع، لكنني اليوم أفهم العبارة بطريقة مختلفة.
فالكتابة ليست فقط أن تجمع أفكارًا جميلة، وإنما أن تعرف كيف تقود هذه الأفكار إلى نهاية تبدو طبيعية، وكأنها المكان الذي كان يجب أن تصل إليه منذ البداية.
والنهاية بالنسبة لي ليست مجرد آخر سطر في الموضوع، وإنما هي الانطباع الأخير الذي يتركه الكاتب عند القارئ.
قد يكون الموضوع جميلًا ومليئًا بالأفكار والمواقف، لكن نهاية ضعيفة تجعله يبدو ناقصًا، وقد يكون الموضوع بسيطًا جدًا، إلا أن خاتمته تأتي في مكانها فتمنحه قيمة أكبر مما كان يتوقع القارئ.
وأحيانًا تكون المشكلة أن الكاتب لا يريد أن ينهي الموضوع، لأنه يشعر أن لديه المزيد ليقوله، فيستمر في الكتابة حتى يفقد الموضوع شيئًا من جماله.
وأحيانًا تكون أفضل خدمة يمكن أن يقدمها الكاتب لموضوعه هي أن يتوقف.
وهذا أيضًا جزء من الكتابة.
أن تعرف متى تتكلم، ومتى تختصر، ومتى تترك للقارئ مساحة يفكر فيها ويكمل الفكرة بطريقته.
لا أعرف هل هذه المشكلة موجودة عند جميع من يكتبون أم أنها مشكلة خاصة بي، لكنني كلما كتبت مقالًا أو خاطرة، وما زلت أبحث عن الجملة الأخيرة، أتذكر ذلك الطالب الصغير في الصف الأول متوسط، وهو يقرأ ملاحظة أستاذه ولا يفهم لماذا يحتاج موضوعه إلى تكملة.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أجد أنني ما زلت أتعلم الدرس نفسه.
فقد علمني أستاذي أحمد عواد رحمه الله تعالى شيئًا لم أكن أعرف أهميته وقتها.
علمني أن الموضوع قد يكون جميلًا، ولكنه يظل بحاجة إلى نهاية.
وربما أجمل ما في هذه القصة أنني عندما كنت طالبًا في الصف الأول متوسط كنت أحتاج إلى تكملة موضوع العطلة الصيفية، أما اليوم، وبعد سنوات طويلة، فما زلت أبحث عن التكملة المناسبة لكل موضوع أكتبه.
ولعل أصعب ما في الكتابة ليس أن تجد ماذا تقول.
بل أن تعرف متى قلت ما يكفي.
ثم تعرف كيف تضع النهاية التي تجعل القارئ يشعر أن الموضوع اكتمل…



