الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الوهم حين يكون أشد من المرض

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالأربعاء 19 أغسطس 2026، 3:59 م
الوهم حين يكون أشد من المرض

كثير من الناس لا يهزمهم المرض، وإنما يهزمهم الخوف منه. فليس كل ما يرهق الإنسان هو المرض نفسه، بل قد يكون الوهم والقلق المصاحبان له أشد أثرًا وأطول معاناة. ولهذا شاع بين الناس قولهم: الوهم أشد من المرض . وهي عبارة يصدقها الواقع وتؤكدها الخبرة الطبية في كثير من الحالات.

والناس إذا أُصيبوا بمرض تختلف طريقة تعاملهم معه. فمنهم من يستقبل البلاء بالرضا، ويتوكل على الله، ويأخذ بالأسباب، ويلتزم بالعلاج، ثم يواصل حياته بهدوء وطمأنينة، مؤمنًا بأن الشفاء بيد الله تعالى. ومنهم من يجعل المرض بداية رحلة طويلة من الخوف والوساوس، فيصبح القلق أشد عليه من المرض نفسه.

ومن المواقف التي تتكرر في العيادات الطبية أن يُصاب أحد المرضى بمرض مزمن، كالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو أحد أمراض القلب، فيستقبل الخبر بقوله: الحمد لله على كل حال، هذا ابتلاء من الله، وسألتزم بالعلاج، وأسأل الله الشفاء. ثم يلتزم بأدويته، ويعدل نمط حياته، ويواصل أعماله وعلاقاته الاجتماعية بصورة طبيعية، فلا يجعل المرض محور حياته ولا حديثه الدائم. ومثل هذا المريض يكون غالبًا أكثر طمأنينة، وأكثر قدرة على التكيف مع مرضه والالتزام بعلاجه.

وفي المقابل، قد يُصاب شخص بمرض أقل خطورة، لكنه يعيش في خوف دائم، ويقضي ساعات طويلة في البحث عن الأمراض وأعراضها، ويترقب أسوأ الاحتمالات. فقد يفسر خفقانًا عابرًا على أنه أزمة قلبية، أو صداعًا بسيطًا على أنه ورم في الدماغ، أو إرهاقًا طبيعيًا على أنه مرض خطير، فيعيش قلقًا مستمرًا، مع أن الفحوصات تكون مطمئنة في كثير من الأحيان.

والقلق لا يبقى مجرد شعور نفسي، بل قد يسبب أعراضًا جسدية حقيقية، مثل تسارع نبضات القلب، وضيق الصدر، والدوخة، واضطراب النوم، وآلام العضلات. وعندما يفسر الإنسان هذه الأعراض على أنها دليل على مرض خطير، يدخل في حلقة مفرغة؛ فالخوف يزيد الأعراض، والأعراض تزيد الخوف، فيصبح القلق جزءًا من معاناته.

وفي الطب يُعرف هذا النمط بقلق المرض أو الوسواس الصحي، حيث ينشغل الإنسان بصورة مفرطة باحتمال إصابته بمرض خطير، رغم أن الفحوصات والنتائج الطبية لا تؤيد ذلك. فيظل أسيرًا للشك والترقب، ويستنزف وقته وراحته النفسية في البحث عن مرض قد لا يكون موجودًا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نفهم من هذا الكلام أن كل خوف من المرض أو كل عرض صحي هو مجرد وهم؛ فبعض الأعراض قد تكون مؤشرًا على أمراض حقيقية تستوجب مراجعة الطبيب دون تأخير. والمقصود هنا هو الخوف المبالغ فيه الذي يستمر حتى بعد التشخيص الصحيح والاطمئنان إلى نتائج الفحوصات.

وهنا يبرز دور الأهل والأصدقاء في مساعدة المريض على تجاوز الخوف والقلق؛ فالكلمة الطيبة والطمأنة الهادئة والدعم النفسي قد يكون لها أثر كبير في تخفيف معاناته. لكن الطمأنة لا تعني الدخول في نقاشات متكررة حول الأعراض أو تقديم تطمينات غير مبنية على تقييم طبي، لأن ذلك قد يزيد القلق أحيانًا. وإذا أصبح الخوف مستمرًا، أو بدأ يؤثر في النوم والحياة اليومية، أو يدفع المريض إلى تكرار الفحوصات والزيارات الطبية دون حاجة، فمن الأفضل تشجيعه على استشارة الطبيب المختص، وقد يحتاج إلى تقييم نفسي أو سلوكي يساعده على فهم مخاوفه والتغلب عليها بطريقة علمية، حتى لا يتحول الخوف من المرض إلى معاناة بحد ذاته.

إن المنهج الصحيح هو الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يراجع الطبيب، ويلتزم بالعلاج، ثم يفوض أمره إلى الله ويحسن الظن به. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء: 80]. فالآية الكريمة تغرس في النفس السكينة، وتذكر بأن الشفاء بيد الله سبحانه وتعالى.

إن الفرق بين المريض المطمئن والمريض القلق ليس دائمًا في شدة المرض، بل في طريقة التعامل معه. فالأول يجعل المرض جزءًا من حياته، بينما قد يجعل الثاني حياته كلها تدور حول المرض، فيصبح الخوف عنده أشد من المرض نفسه.

فالمرض ابتلاء، أما الوهم والقلق المبالغ فيه فمعاناة يمكن التعامل معها بالعلم، والثقة بالطبيب، والاطمئنان إلى نتائج الفحوصات، وحسن التوكل على الله. خذ بالأسباب، ولا تجعل الخوف يسبق الحقيقة، ولا تعطِ المرض أكبر من حجمه؛ فكم من إنسان أتعبه الوهم أكثر مما أتعبه المرض، وكم من مريض عاش مطمئنًا لأنه رضي بقضاء الله وأحسن التوكل عليه.