الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الكذب الاجتماعي في زمن منصات التواصل

علي آل ثاني · القطيف اليومالخميس 20 أغسطس 2026، 8:32 ص
الكذب الاجتماعي في زمن منصات التواصل

التفكير العميق في حالة مجتمعنا الحالي يدفعنا لطرح تساؤلات وجودية مهمة تتجاوز السطحية في القضايا الاجتماعية، وصولاً إلى جوهر حياة الفرد وعلاقته بذاته، خصوصاً مع ظهور تحديات جديدة في عصر التكنولوجيا.

المأساة تكمن في أننا متورطون في الخداع والرياء والزيف، وفي التملق والتمثيل الزائف، وفي السطحية الفارغة. لقد تخلينا عن الكثير من العادات والقيم الإنسانية النبيلة.

ولم تعد وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك وسناب شات وإنستغرام، مجرد منصات للترفيه أو التعبير الشخصي والاجتماعي الصحيح والمفيد لسرد القضايا والمشاكل والفوضى الاجتماعية بحقيقتها وواقعها الصحيح. لقد تحولت اليوم إلى فضاءات تساهم في صنع قيم جديدة، وإعادة تشكيل العلاقات الأسرية، والتأثير على صورة الذات، خاصة بين الشباب والفتيات. ورغم الانقسام حول دورها، حيث يرى البعض أنها السبب المباشر في كشف أسرار الأسرة والمجتمع، بينما يعتبرها آخرون مجرد أداة تكشف عما هو قائم داخليًا، تظهر الحاجة الملحة للعودة إلى الميزان القرآني وتعاليم أهل البيت عليهم السلام لفهم العمق الحقيقي لهذا التأثير.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«سيأتي على الناسِ زمانٌ تَخْبَثُ فيهِ سرائِرُهُمْ، وتحسنُ فيه علانيتُهُمْ، طمعًا في الدنيا، لا يريدونَ به ما عندَ ربِّهِم، يكونُ دينُهُمْ رياءً، لا يخالطُهُمْ خوفٌ، يَعُمُّهُمُ اللهُ بعقابٍ فيدعونَهُ دعاءَ الغريقِ فلا يستجيبُ لهم».

بحار الأنوار، صفحة 290.

آفات مجتمعية تعصف بنا من حيث نعلم أو لا نعلم. نتغافل عنها، لأسباب كثيرة أهمّها الجهل بخطورتها، حتى إذا أُصابتنا واستفحلت فينا لفحتنا نارها، فصرنا نلطم حظنا العاثر.

تلك الآفات التي تأتي عبر غزو الثقافات وتجذبنا لها بشتى المسميّات: تطوّر، تحضّر، مواكبة، حريّة، وغيرها من عناوين براقة تجذبُ مجتمعاتنا، وبالخصوص الشباب، فهم الهدف المقصود من ذلك الغزو. بدأت تلقي بظلالِها على أغلب طبقات المجتمع من خلال ظاهرة الانسلاخ التي تفشّت بين الجميع، ولم تقتصر على الشباب، وإن كانوا الهدف الأساس، بل تفشت حتى عند كبار السن.

في زمن لم يعد يُقدّر مفهوم الخصوصية كثيرًا، أصبح التصوير والنشر جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية للفرد.

الآن، من يحترم خصوصيته أو يرفض الظهور أمام الكاميرا يُنظر إليه باعتباره شخصًا غريبًا في مجتمع يحتفي بالعلنية ويقلل من شأن الخفاء. الخصوصية لم تعد مطلبًا عامًا، بل أصبحت حالة استثنائية تتطلب جهدًا للحفاظ عليها.

في الماضي، كانت الخصوصية تتمثل في باب مغلق ومفتاح لا يعرفه أحد، وكان الناس أكثر تحفظًا، لا يشاركون حياتهم بسهولة، وغالبًا ما يقتصرون على الحدود الدنيا. اليوم، تغيّر مفهوم الخصوصية بالكامل وأصبح أكثر مرونة، حيث يحدد الفرد ما يريد الكشف عنه أو إخفاءه بنفسه.

أصبحت الحياة الشخصية لكثير من الأشخاص أشبه بكتاب مفتوح، حيث يتسابق الأغلبية في نشر تفاصيل حياتهم اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، سواء كانت لحظات سعيدة أو محنة عابرة. ومع هذا الانفتاح غير المسبوق، البيوت لم تعد أسراراً، وخرجت تفاصيلها من بين جدران البيت لساحة السوشيال ميديا العامة، وأصبحت العلاقات الأسرية والتجارب الخاصة عرضة للنقاش العام والتقييم من قبل الآخرين.

هذه الظاهرة تثير تساؤلاتٍ حول حدود الخصوصية وتأثيرها على الروابط الأسرية.

تستلزم هذه القضية التأمل في التبعات التي قد تنجم عن هذا الانفتاح وما قد يترتب عليه من تحديات اجتماعية ونفسية، وهذا ما سنتطرق إليه في السطور التالية.

التقاط صور لموائد الطعام خلال اللقاءات الأسرية:

لم تعد موائد الطعام تُمد لحمد الله والتلذذ بنعمه، بل بات تقييم الآخر هو معيار الشبع، فترى أناساً لا يأكلون حتى يصوروا طعامهم، في إضاءةٍ مثالية، وزاويةٍ احترافية، مع تعليقٍ متواضع، وخلف تلك الأضواء اللافتة يكون الأكل باردًا، والحديث مع الأسرة منقطعاً، واللحظة الحقيقية مسروقة من أجل لحظة وهمية ستنتهي بانتهاء اليوم. طبق واحد يصوّر من عشر زوايا، وبقية الأسرة تأكل طعاماً عادياً في صمت.

فراغ عاطفي، وبكاء في الغرفة المظلمة، لم يعد الأمر مجرد تجميل اجتماعي، بل أصبح ازدواجية وجودية، حيث يعيش البعض شخصيتين، إحداهما حقيقية وحزينة، والأخرى متألقة وسعيدة ولكن غير واقعية.

وعندما تتقاطع الحقيقة مع الوهم، يحدث الانهيار. الأخطر من ذلك، أن الشباب، الذين هم الفئة الأكثر تأثراً، يظنون أن ما يُعرض على الشاشات يُمثل الحياة الحقيقية.

فيسعون إليها بشغف ولهفة في موازين الآخرين، فلا يحققون ذاك السراب الموهوم، ولا يعيشون اللحظة التي هم جزء منها، وينضجون معتقدين أن النجاح ينحصر في أن تكون ((ترند))، وأن السعادة تتحقق عندما يغار الأصدقاء منك، والقيمة تُقاس بعدد المتابعين الذين لا يعرفونك شخصيًا.

وبهذا تنخدع أجيال بأكملها وتختفي تحت وطأة الإعجابات السطحية. لا أعني بهذا أن نفصل أنفسنا عن العصر الرقمي الذي نعيش فيه، بل أدعو إلى استخدامه بعقلانية وعدم الانجراف وراء الكذب الاجتماعي.

أن الأسباب وراء مشاركة البعض تفاصيل حياتهم اليومية بشكل مفرط على وسائل التواصل الاجتماعي بين الرغبة في تحقيق مكاسب مالية والشهرة، أو الحصول على إعجاب واهتمام من الآخرين من خلال الإعجابات والتفاعلات. وتعد هذه الظاهرة بمثابة تحذير خطير للأسر في المجتمع، حيث أصبحت الحياة الخاصة مكشوفة دون الحفاظ على الخصوصية، مما يؤدي إلى انتهاك ملحوظ لحياة الآخرين دون مراعاة لمشاعرهم وخصوصياتهم في مجتمع اعتاد على البساطة والاعتدال.

التقدم ليس متعارضاً مع العادات والتقاليد وقيم الدين والمجتمع، ومن الممكن التوفيق بين الاثنين، ومع ذلك، انتشرت ثقافة بين العديد من أبناء هذا المجتمع تدفعهم للابتعاد عن جذور العادات والتقاليد، والسعي نحو حرية وانفتاح زائفين، يعتمدون فيهما على تقليد الفكر والممارسات الغريبة بشكل مطلق.

في السنوات الأخيرة، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تحولًا من منصات للتواصل وتبادل الأخبار إلى مساحات تعرض تفاصيل الحياة الشخصية بأدق جوانبها. لم يعد نشر الصور مقتصراً على اللحظات السعيدة، بل توسّع ليشمل الخلافات الأسرية، والمشكلات الزوجية، والأزمات النفسية، وحتى لحظات المرض والانكسار.

يثير هذا التحول الملحوظ تساؤلات أساسية حول العلاقة بين الخصوصية والفضول، وما الحدود المناسبة لمشاركة تفاصيل الحياة في عالم السوشل ميديا.

لا يتوقف الأمر عند المشاركة الطوعية فحسب، بل يمتد أحيانًا لتحويل الحياة اليومية بالكامل إلى مواد للنشر، حيث يتم تصوير الأطفال أو المرضى أو الممتلكات المنزلية والعائلية دون إدراك للتبعات المستقبلية.

من المؤسف أن نرى بعض المحتويات التي تظهر على هذه المنصات تؤدي إلى شعور بالضيق النفسي. فعندما نرى أشخاصًا يقومون بتصوير والديهم أو أجدادهم، دون اعتبار لتاريخهم وتجاربهم، ويستخدمون صورهم للسخرية عبر إظهارهم بطرق غير لائقة، مثل إضافة الموسيقى وجعلهم يرقصون، فإنه أمر يستحق النقد. بدلاً من ذلك، من المفترض أن نستثمر هذا الوقت في قضاء لحظات ممتعة معهم والاستماع إلى قصصهم لاستخلاص العبر وتقدير ما قدموه للمجتمع، مما يساعد في الاستفادة من تجاربهم وقصصهم الغنية بالأحداث التاريخية والمجتمعية في زمنهم.

عندما نصادف محتوى لمقطع فيديو يعرض شخصًا مريضًا أو من ذوي الإعاقة بهدف نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتحسين المعنويات أو لتأكيد الطبيعة العادية لتلك الأوضاع، ينبغي علينا العمل على تطوير عقلية قوية تسمح لنا بفهم هذه الحالات. يجب أن نركز على تقديم الدعم اللازم وكسر العزلة عن الشخص المعني بدلاً من تصويره أو نشر صوره ومقاطعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

يتم ذلك عبر متابعة الشخص والاهتمام به داخل الأسرة، بعيدًا عن مظاهر الشفقة والتصوير الإعلامي غير الحقيقي. نحن نقول إنه لا بأس في مشاركة صور أطفالك، فهي مصدر فخر، لكن عندما يكون الأطفال مرضى ويقوم الآباء بجعل العالم يعرف ذلك، قد يكون هذا مجرد نداء يائس للموافقة والتعاطف من قبل الأهل.

في الختام، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، حيث تحمل معها تأثيرات إيجابية وسلبية تؤثر على الأسرة والمجتمع.

ويميل رواد هذه المواقع إلى مشاهدة المحتوى الترفيهي، على حساب المحتوى المعرفي أو المحتوى الهادف، فتجد أن بعض المحتويات غير الهادفة، أو المحتويات التي يمكن أن تعد محتويات “فارغة” لا تقدم شيئًا، تحصد آلاف وملايين المشاهدات من قبل الجمهور والمتابعين، بينما لا تحصل المواد التي تقدم معرفة حقيقية هادفة إلا على مشاهدات ضعيفة.

هذا التأثير الكبير يدفعنا إلى التأمل في الفوائد التي تقدمها، مع الحفاظ على الوعي بتأثيراتها السلبية. يجب على الآباء والمعلمين تعزيز دورهم في التربية، وتوجيه الأبناء للتمسك بالقيم الأساسية. كذلك حاول أن تتناول وجبتك دون تصويرها، أو تقضي يوماً في الطبيعة دون مشاركة على وسائل التواصل، أو تحتفل بمناسبة دون بث مباشر. إذا كنت ممن اعتادوا على ذلك، قد تشعر في البداية بثقل غير مألوف، لكن سرعان ما ستشعر بخفة لا توصف. ستعيش اللحظة بكامل روعتها والنِعَم التي وهبك الله إياها، مقدراً أسبابها لتشكره عليها بدلاً من أن تُشرك به أحداً. التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية أمر ضروري لضمان تماسك الأسرة وحمايتها.

علينا الالتزام بالتوجيهات الإلهية، كما جاء في الآية القرآنية، قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

سورة التحريم، الآية 6.