لا تُمهِّد لأبنائك الطريق

من أشدِّ أخطاء التربية أن يظنَّ الأب أن الحبَّ هو أن يُزيل عن ابنه كلَّ تعب، وأن تظنَّ الأم أن الرحمة هي أن تُحقق لطفلها كلَّ طلب؛ فينشأ الصغير محفوظًا من العثرة، لكنه محرومٌ من الخبرة، بعيدًا عن المشقة، لكنه قريبٌ من الهشاشة، يملك ما يريد، ولا يعرف كيف يصنع ما يريد.
فالطفل لا يحتاج إلى حياةٍ بلا صعوبات، بل إلى صعوباتٍ تناسب عمره، توقظ فكره ولا تكسر ظهره، وتدرّب صبره ولا تجرح قلبه. دعه يحاول قبل أن تساعده، ويفكر قبل أن تجيبه، وينتظر قبل أن تعطيه، ويدخر قبل أن يشتري، ويخطئ أحيانًا قبل أن تصحح له؛ فالعقل الذي لا يُستعمل يضعف، والإرادة التي لا تُختبر تذبل، والشخصية التي لا تعرف كلمة «لا» قد تعجز غدًا أمام أول بابٍ مغلق أو أول حلمٍ مؤجل.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]؛ فالحياة لم تُخلق كلها راحة، ولا النجاح وُلد من الدعة، وإنما يشتد العود بعد مقاومة الريح، ويقوى العقل بعد مواجهة التحدي والتصحيح.
وقال سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]؛ فربّوا أبناءكم على السعي قبل العطاء، وعلى المحاولة قبل المكافأة، وعلى أن بعض الأمنيات تُنال بعد انتظار، وبعض الرغبات تُؤجل، وبعض الطلبات يُقال لها: لا.
وقد رسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام معنى عظيمًا في التربية حين قال في وصيته لابنه: «وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لُبُّك». فالطفولة أرض، والوالدان زُرّاع؛ فما تزرعانه اليوم أخلاقًا وعادات، تحصدانه غدًا شخصيةً وقرارات.
ومشكلتنا اليوم أن بعض الآباء يختصر التربية في توفير المال، وبعض الأمهات يختصرن الحنان في تلبية السؤال؛ هاتفٌ عند الطلب، وهديةٌ عند الإلحاح، ومصروفٌ بلا حساب، وتدخلٌ سريع عند كل خلاف. فيكبر الطفل، فإذا تأخر نجاحه غضب، وإذا رفضه أحد انهار، وإذا واجه مشكلة بحث عمن يحلها عنه.
قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». والمسؤولية ليست إطعام الأبناء وإلباسهم فحسب، بل إعدادهم ليومٍ قد لا نكون فيه بجوارهم.
ولهذا فالتربية علمٌ يتجدد، وليست مجرد تجربةٍ نكرر فيها ما فعله آباؤنا. ينبغي للأب والأم أن يقرآ، ويتعلما، ويحضرَا الدورات، ويعرفا خصائص المراحل العمرية، وكيف يضعان الحدود، وكيف يكافئان ويعاقبان، ومتى يتدخلان ومتى ينسحبان.
لا تحرم ابنك من الحب، ولكن لا تُغرقه في الدلال؛ ولا تمنعه من النعمة، ولكن علّمه قيمة النعمة؛ ولا ترفع عن طريقه كل حجر، بل علّمه كيف يتجاوزه.
فالوالد الناجح ليس من أعطى أبناءه كل ما طلبوا، بل من أعطاهم من التربية ما يجعلهم قادرين يومًا على صنع ما يتمنون، والصبر على ما يفقدون، والوقوف إذا تعثروا، والنهوض إذا سقطوا.



