محراب التكوين (٨): من محراب الصلاة إلى ميدان الحياة

الصلاة رحلة عرفانية وتربوية تأخذ بالعقل نحو التفكر، بتأمل وتمعن في أذكارها وأفعالها، وما تحمله من مضامين عالية ومكتسبات أخلاقية تكتنفها، كما أن النفس تنتقل من ظاهر هيئة العبادة إلى حقيقتها وموقعيتها من مقام العبودية لله تعالى، والسير في مضمار القرب منه عز وجل.
فإذا ما نظرنا إلى فعل الركوع، من هيئة الانحناء إلى مفهوم الخضوع لله عز وجل، وخلع رداء التكبّر والجبروتية، فيذكّره بأن مقومات القوة والاقتدار في شخصية الإنسان، كالعلم والمكانة والحظوة، لا يمكنها أن تتجاوز به مقام الافتقار لله تعالى والعبودية التي ترفع شأنه. وهل هناك من معنى وقيمة أخرى لهيئة الركوع يكتسبها المصلي؟
فعل الركوع يأخذ بالنفس من الانحناء المادي (البدني) إلى معنى الانحناء والتسليم للحق عندما يظهر له، فيجعل من الحق، بمفهومه الشرعي والعقلي والاجتماعي، بوصلة وميزانا يلتزم به مهما كانت نتائجه وآثاره؛ فإن من خطوات الشيطان الرجيم لإغواء الإنسان هو رفض الحق والنصيحة التي تخالف هواه ومصالحه، والاتجاه بدلا عن ذلك نحو التبرير وتقديم الأعذار الواهية، باعتقاد أنه حفاظ على المكانة الاجتماعية.
أما الصلاة فإنها تهذّب النفس، وتدعوها من خلال أفعالها كالركوع إلى القبول والتسليم بالحق والصواب عند ظهوره، وتجنّب حالة العناد والاستنكاف عن الاعتراف بصدور الخطأ أو التقصير، وما أجملها من قيمة وتحفة أخلاقية تؤطّر شخصية الإنسان على مستوى علاقته بالله تعالى والاعتراف بالمعصية، وكذلك على مستوى العلاقات الأسرية والاجتماعية، عندما يجعل من الحق والمنطقية بوصلة يهتدي بها في أحاديثه وحواراته ومواقفه، فيتجنب التصعيد غير المقبول بالإصرار على الخطأ مهما ظهرت له من أدلة أو شواهد على وقوفه في الضفة الخاطئة.
ومن أفعال الصلاة السجود، وهو أكثر عمقا في بيان مشهدية التحرر من كبرياء الذات المزعوم، والتخلّي عن الأنفة الكاذبة الممزوجة بالتضخم والتأليه، إذ إن تمكين الأعضاء السبعة، وخصوصا الجبهة، من الأرض، له مضمون عالٍ يوقظ النفس من سبات الغفلة والجهالة، فيذكّر الإنسان بأصله المتكوّن من التراب، وبمصيره بعد الرحيل حيث يحتضنه التراب.
وهذا ما أشارت له الآيات القرآنية والروايات الشريفة من تذكير الإنسان بضعفه وافتقاره، في إيجاده وتدبير شؤونه، إلى القدرة الإلهية المطلقة. فكلما وضع المصلّي جبهته على التراب تذكّر أصله ومصيره وفقره إلى ربه، ولذلك يصبح السجود مدرسة في كسر الوهم الذي تصنعه النفس، ويتحوّل إلى حقيقة ترفده بالصور والمواقف بناء عليها، حيث تتضخّم النفس حول قدراتها وما تحقّقه من إنجازات.
فتتجلّى منزلة السجود بوصفه من أقرب حالات العبد إلى الله تعالى، لكن قيمة الصلاة لا تكتمل إذا بقي أثرها محصورا في المسجد والمحراب.



