أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العائدون من المقبرة

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالجمعة 28 أغسطس 2026، 10:55 ص
العائدون من المقبرة

ربما نراقب ونلتفت للمشيعين والداخلين إلى المقبرة أثناء التشييع بنظرات تقريبية للأعداد ولا يخطر لنا أن نعدَّ أو نلتفت للخارجين منها.

وقد أعاد إلى ذهني هذه المسألة ما كتبه السيد فاضل الشعلة في مقالته المؤثرة "حتى لا تصبح الجنازة جنازتين!" مستندًا إلى واقعة موجعة عاشها أمامه إذ طرح سؤالًا يستحق ألا ينتهي بانتهاء قراءة المقال من يُسعف المشيّعين؟ سؤال أخذني إلى جانب آخر من المشهد.. إلى أولئك الذين يدخلون المقبرة على أقدامهم، وما الذي ينبغي أن نفعله كي نطمئن إلى عودتهم منها سالمين.

يمشي الناس خلف الجنازة وكل واحد يحمل شيئًا لا يُرى في يده.. فهذا يحمل سنوات عمره وذاك قلبًا أجهدته الأيام وذاك شخص مرهق لم ينم جيدًا وذاك جاء مسرعًا فلم يأكل وكبيرًا أصرَّ على الحضور والمشي مسافة طويلة لأن الراحل عزيز عليه مع أن ساقيه تطلبان منه منذ أول الطريق شيئًا من الرفق والراحة.

في التشييع يتغير حساب الإنسان لجسده..
فمن يبحث في السوق عن أقرب موقف للسيارة يمشي هنا طويلًا.. ومن لا يحتمل الوقوف في طابور يقف في الجبانة “المقبرة” تحت أشعة الشمس التي لا ترحم والكبير الذي نلح عليه في البيت أن يجلس فيقول إذا عرضت عليه كرسيًا..

“أنا بخير”.

و”أنا بخير” هذه تحتاج أحيانًا إلى شيء من سوء الظن المحمود.

فالمرء في ساعة الفقد يؤخر نفسه وينساها.. فيعطش فلا يطلب ماء.. يتعب فيواصل من أثر المصاب.. يشعر بدوار فيحسب أن الجلوس لا يليق وربما كان أشد الحاضرين حاجة إلى العناية أكثرهم حرصًا على ألا ينشغل به أحد.

ثم يتعب جسد واحد فجأة فتتغير المقبرة كلها في ثوان.

يسقط رجل..

فتتجه إليه الوجوه وتكثر الأيدي وتسمع..

هل بيننا مسعف أو أحد الكوادر الطبية؟

قد يكون حوله مئات الأشخاص وفيهم من يستطيع حمل نعش كامل ولا نعرف بينهم شخصًا واحدًا يستطيع التعامل الصحيح مع فاقد الوعي.

ليست الشهامة هي الناقصة فهي حاضرة وربما فاضت عن الحاجة.
الطوارئ تحتاج معرفة كالمعرفة بالإسعافات الأولية فالدقائق لا تعرف المجاملة.

وتزداد المسألة حساسية في مثل هذه الأيام من الصيف.. حرارة شديدة ورطوبة مرتفعة ثم مشي ووقوف وزحام وقلة ماء وإرهاق. والرطوبة العالية تقلل قدرة الجسم على التخلص من حرارته بتبخر العرق فيصبح الجهد أثقل خصوصًا على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. وقد يبدأ الأمر بإعياء أو دوار "دوخة" فيقول .. تعب سيزول سريعًا "شويات واصير زين".

لهذا يستحق أن تدخل “سلامة المشيّعين” ضمن الاستعداد للتشييع.

لا نحتاج إلى تحويل المقبرة إلى مستشفى ولا إلى سيارة إسعاف خلف كل جنازة. قد تكفي منظومة صغيرة تعرف مهمتها بمسعف مؤهل وحقيبة طوارئ وجهاز صدمات قلبية في مكان معلوم وماء قريب وممر لا تغلقه السيارات وأشخاص يعرفون ماذا يفعلون في الدقائق الأولى.

ويمكن *للجمعيات الخيرية وجمعية إكرام الموتى* في البلدة أن تكون شريكًا في ذلك بتدريب متطوعين وتنظيم وجود مسعفين عند الحاجة والتنسيق بما يجعل الاستجابة جزءًا سريعًا وهادئًا من الترتيب.

وقد يبدأ الأمر قبل كل ذلك بابن يقول لأبيه اجلس قليلًا واسترح ورفيق يناول صاحبه الماء قبل أن يطلبه وعين تنتبه إلى وجه تغيّر لونه ويد تقود كبيرًا إلى الظل قبل أن تقوده قدماه إلى الأرض.

ولا بأس أن نخالف صاحبنا هذه المرة عندما يكون متعبًا ويقول..

“أنا زين”..

فالمحبة تحتاج أحيانًا إلى قليل من الحزم بأدب..

واستعداد الطوارئ هو ذلك الذي يبقى طويلًا بلا استعمال.. جهاز لم نحتج إليه وحقيبة لم تُفتح -تُفحص في كل مرة لتكون جاهزة- ومسعف عاد إلى بيته دون أن يفعل شيئًا.

فالجنازة رحلة وداع لشخص واحد ومن حق الذين ساروا معه إلى محطته الأخيرة -رحمه الله- أن يعودوا إلى بيوتهم سالمين.

وحين نتهيأ لتشييع عزيز ونسأل عما يحتاجه الراحل فعلينا أن نسأل أيضًا عن الأحياء ونرعاهم..

فهل أعددنا لعودتهم سالمين أيضًا؟