محراب التكوين (٩)

ما بعد المحراب:
الصلاة مدرسة تربوية ومنهجية أخلاقية، تتغلغل مضامينها العالية وقيمها السامية في العقل والنفس، فيؤدي ذلك إلى نضج ورشد في التفكير، والنظر في عواقب الأمور، وتحمل مسؤولية كل ما يصدر منه. ويتبلور هذا الفكر النير على سلوكه المتصف بالاتزان النفسي والوجداني والاستقامة، متسلحًا بيقظة الضمير والنفس الحذرة من السقوط في أوحال ومستنقعات الخطايا والعيوب.
وهذا ما نقصده بأن الصلاة ليست مجرد هيئة وحركة وأفعال جوفاء من التآزر الوجداني مع معانيها، بل هي مشروع قيمي يهدف لإعادة بناء الإنسان من الداخل، وانعكاس ذلك على تعامله وعلاقاته ومنطق كلامه، بما يتناسب مع ذلك الشعور الوجداني عند الوقوف بين يدي الله تعالى في محراب العبادة، ومناجاته سبحانه بصدق وتفويض للأمور. فالصلاة الحقيقية تقاس فقط بما تتركه من أثر مهم وواضح في القلب والعقل والسلوك.
فالإنسان حين يقف بين يدي الله تعالى، يتعلم ويستشعر معنى العبودية الحقة التي ترفع شأنه وتقويه في ميدان مواجهة التحديات والصعاب. وهذه التجليات النورانية للصلاة ليست مجرد ادعاءات وصور خيالية بعيدة عن التطبيق على أرض الواقع؛ فالعبودية لله تعالى هي عين التحرر من أسر عبودية الهوى، والارتهان للأنا، والعلاقة مع الناس القائمة على المنفعية.
فتلك الصلاة لها قيمة عالية تبرز بعد الانتهاء منها بملاحظة آثارها العملية، فيعود الإنسان إلى بيته وعمله وعلاقاته الاجتماعية ومواقفه اليومية بما يتناسب وتلك الوقفة العالية بين يدي الخالق، واستشعار عظمته وقدرته ونعمائه.
فإن الصلاة إذا ظلت حبيسة المحراب، وتبلدت فيها الأحاسيس والعقل، ولم تتحرك الجوارح لتلتحق بمضامينها الأخلاقية، بقيت في حدود صورتها وهيئتها، ولم تبلغ مضامينها وغايتها التربوية العميقة. فهذا يعني أن المصلي لم يفهم معاني الصلاة والغاية من تشريعها، وما يراد منه بعد التفاعل مع أفعالها وأذكارها ومؤداها نحو الورع عن محارم الله تعالى (التقوى).
قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فالصلاة التي لا تنهى صاحبها عن أي قبيح ورذيلة يرتكبها، فهذا يعني صامتية تلك الصلاة وضعف تأثيرها، وتبلد أحاسيس صاحبها تجاه اكتساب قيمها، وتحتاج إلى تغذية فكرية تعيد مراجعة أثرها في النفس، وسبب عدمية التأثير الأخلاقي.
فإذا ما نظرنا إلى الركوع وجدناه قيمة تربوية تخلع عن النفس رداء الكبرياء الزائف وأوهام الأنا (تضخم الذات)، فالركوع انحناء الظهر لعظمة الخالق القادر على كل شيء، وخلع تعظيم أي شيء من أسباب الدنيا ومتاعها الزائل.
إنه تربية على كسر الاستعلاء أمام الحق والحقيقة، وجعلها بوصلة يتجه إليها في سلوكياته. ومن خرج من ركوعه الإيماني الحقيقي فقد خرج بتواضع فكري وأخلاقي لا يسحق شخصيته ولا يحط من شأنه، وإنما يحرره من مرض الأنا والتعالي، ويتجه به نحو معرفة قدر النفس، فلا يحتاج إلى احتقار الآخرين كوسيلة دنيئة ومكر شيطاني ليشعر بقيمته ومكانته حينئذ.



