يمكن الخطأ في المكان مو فينا! هل سمعت أو قرأت عن «العمارة العصبية»؟

عندما يؤثر الفراغ في مشاعرنا!
كثيراً ما نتحدث عن توتر الإنسان داخل المباني، ونبحث عن أسبابه في ضغوط الحياة والعمل والعلاقات والمسؤوليات، وننسى شيئاً قريباً منا جداً: البيوت التي نعيش فيها!
وقد يحدث أن ندخل أحد فراغات البيت، فنشعر بعدم ارتياح لا نعرف له سبباً واضحاً. لا يوجد شيء محدد نستطيع أن نشير إليه ونقول: هذا هو الخطأ! لكننا نشعر بأن شيئاً ما ليس على ما يرام!
فنبدأ بسرعة، وبدون استشارة، بتغيير الأثاث، ثم الألوان، ثم الإضاءة، وربما نغيّر توزيع المكان كله، وقد يصل الأمر أحياناً إلى الرغبة في إزالة الجدار أو الهدم وإعادة البناء.
وأحياناً لا تكون المشكلة في الأثاث ولا في اللون. قد يكون الخطأ في الفراغ نفسه، وقد يكون المكان، من حيث لا نشعر، يفرض علينا حالة من التوتر أو الاضطراب.
ومن هنا بدأت تلفتني فكرة تُعرف اليوم باسم «العمارة العصبية» Neuroarchitecture، وهي فكرة تقترب كثيراً من سؤال كنت أطرحه دائماً:
كيف يعمل الفراغ؟ وكيف يشعر الإنسان به؟
ما هي العمارة العصبية؟
العمارة العصبية مجال يجمع بين العمارة وعلم الأعصاب وعلم النفس البيئي، ويحاول فهم العلاقة بين البيئة المبنية وبين دماغ الإنسان ومشاعره وسلوكه.
أي أنها لا تسأل فقط: هل المكان جميل؟ بل تسأل: ماذا يفعل هذا المكان بالإنسان؟
هل يجعله هادئاً أم متوتراً؟
هل يساعده على التركيز أم يشتت انتباهه؟
هل يشعر فيه بالأمان والخصوصية أم بالانكشاف؟
هل يدعوه إلى الاستقرار أم يدفعه إلى الحركة المستمرة؟
فالإنسان لا يستقبل المكان بعينيه فقط.
فالضوء، والظل، والصوت، والحرارة، والملمس، والألوان، والروائح، والنسب، والحركة، والمشهد الخارجي، كلها تدخل في تجربته للفراغ.
ولهذا فإن الفراغ ليس مجرد مساحة بين أربعة جدران، بل هو تجربة يعيشها الإنسان بجسده وحواسه ومشاعره.
عندما يصبح المكان مصدراً للتوتر!
تخيل غرفة كبيرة جداً، لكنها خالية من الإحساس بالاحتواء، أو غرفة صغيرة مزدحمة بالأثاث، لا يجد الإنسان فيها مساراً واضحاً للحركة.
أو فراغاً تكثر فيه الألوان والخامات والأشكال، فتزدحم العين بالمعلومات.
أو مكاناً شديد الإضاءة، لا توجد فيه مناطق للظل والراحة البصرية.
أو مجلساً لا يمنح الجالس خصوصيته.
أو مكاناً تتردد فيه الأصوات والصدى بشكل مزعج.
كل هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها عندما تجتمع يمكن أن تصنع تجربة مكانية متعبة.
ولهذا قد يشعر الإنسان برغبة مستمرة في تغيير المكان، دون أن يعرف بالضبط ماذا يريد أن يغيّر.
يغيّر الستارة.
ثم السجادة.
ثم لون الجدار.
ثم الأثاث.
ثم الإضاءة.
ثم يقول:
خلنا نهدم ونبدأ من جديد!
بينما ربما كان المطلوب ليس الهدم، وإنما قراءة الفراغ وفهم سبب عدم الراحة فيه.
ليس كل تغيير حلاً!
من الأخطاء التي نقع فيها أننا نتعامل مع المشكلة باعتبارها مشكلة ديكور.
إذا لم يعجبنا المكان، اشترينا أثاثاً جديداً.
وإذا شعرنا بالضيق، غيّرنا اللون.
وإذا مللنا منه، أضفنا قطعة جديدة.
فتزداد الأشياء، ويزداد معها ازدحام المكان.
والأصح أن نسأل قبل أن نغيّر:
لماذا أشعر بعدم الراحة هنا؟
هل المشكلة في الحركة؟
هل الأثاث أكبر من الفراغ؟
هل الإضاءة غير مناسبة؟
هل هناك ضوضاء؟
هل الألوان متصارعة؟
هل المكان يفتقد الخصوصية؟
هل هناك ازدحام بصري؟
هل الحرارة والتهوية غير مريحة؟
هل لا توجد علاقة بين الداخل والخارج؟
أم أن المكان ببساطة لا يشبه الإنسان الذي يعيش فيه؟
وهنا نكتشف أن بعض الحلول قد تكون بسيطة جداً:
تحريك قطعة أثاث.
فتح مجال للحركة.
تقليل الأثاث وبعض الأشياء.
تغيير مصدر الضوء.
إدخال الضوء الطبيعي.
إضافة نبات.
فتح منظر إلى الخارج.
خلق زاوية أكثر خصوصية.
أو حتى ترك مساحة فارغة.
أحياناً تكون المساحة الفارغة جزءاً من التصميم وليست نقصاً فيه.
وهنا يأتي دور المعماري والمصمم!
إذا كان المكان يؤثر في الإنسان، فمن الطبيعي أن نتوقف عند سؤال مهم:
من الذي صمم هذا المكان؟
اختيار المعماري أو المصمم الداخلي ليس مجرد اختيار شخص يرسم لنا شكلاً جميلاً أو ينسق لنا أثاثاً وألواناً.
إنه اختيار شخص سيشارك في صناعة البيئة التي سنعيش فيها سنوات طويلة.
ولهذا لا ينبغي أن يكون اختيارنا مبنياً فقط على الشهرة، أو كثرة الأعمال، أو جمال الصور المنشورة.
فالمعماري الجيد لا يسأل فقط: ماذا يريد العميل أن يرى؟
بل يسأل:
كيف سيعيش الإنسان في هذا المكان؟
كيف سيدخل؟
كيف سيتحرك؟
أين يجلس؟
أين تصل الشمس؟
أين يكون الظل؟
كيف يتحرك الهواء؟
ماذا يرى عندما يجلس؟
هل يحتاج إلى العزلة أم التواصل؟
هل المكان يمنحه الخصوصية؟
وهل سيظل مريحاً بعد سنوات، أم سيكون مجرد تصميم جميل في يومه الأول؟
المصمم لا يصمم صورة خيالية مصطنعة!
بل يصمم تجربة!
أحياناً نختار المصمم لأننا رأينا مشروعاً جميلاً له في صورة، لكن البيت ليس صورة تؤخذ من زاوية واحدة.
البيت يُعاش صباحاً ومساءً، في الصيف والشتاء، أثناء الهدوء والازدحام، عند استقبال الضيوف، وعندما تجلس الأسرة وحدها.
ولهذا قد يكون التصميم الذي يبدو رائعاً في الصورة متعباً في الحياة اليومية.
فالمعماري والمصمم الناجح يحتاج أن يفهم الإنسان قبل أن يفهم الشكل، وأن يعرف طبيعة المستخدم، وعاداته، واحتياجاته، وثقافته، ومناخه، وخصوصيته.
وهنا تتحول مهنة التصميم من صناعة منظر جميل إلى صناعة تجربة إنسانية مريحة.
المكان أيضاً ابن ثقافته!
ومن المهم هنا ألا نتعامل مع الألوان والمساحات وأشكال الأثاث وكأن لها تأثيراً واحداً على جميع البشر وفي جميع الثقافات.
فالإنسان لا يدخل المكان بعينيه فقط، بل يدخل إليه أيضاً بثقافته وذاكرته وعاداته، وما اعتاد أن يراه ويعيش معه.
فما نراه نحن لوناً هادئاً ومريحاً، قد يراه شخص من ثقافة أخرى مختلفاً تماماً.
وما نراه نحن فراغاً واسعاً ومريحاً، قد يشعر فيه آخر بالبرودة أو الغربة، بينما قد يشعر شخص آخر بالراحة في المكان الأكثر امتلاءً وتفصيلاً.
يمكن أن نلاحظ ذلك مثلاً في بعض المطاعم والمقاهي ذات الطابع التركي والفارسي، حيث تحضر الألوان الزاهية، وخصوصاً الفيروزي ودرجاته، إلى جانب الزخارف والخامات والتفاصيل التي تمنح المكان دفئاً وحضوراً وهدوءاً في الوقت نفسه.
بينما نجد في بعض البيئات الأمريكية وبعض الاتجاهات الأوروبية المعاصرة ميلاً أكبر إلى الألوان والخامات التي تحمل طاقة وحركة، أو إلى الفراغات المفتوحة والأثاث ذي الخطوط الواضحة والبسيطة.
وهذا الاختلاف لا يعني أن لوناً معيناً يسبب الهدوء دائماً، أو أن لوناً آخر يسبب التوتر دائماً؛ فالأمر أكثر تعقيداً، ويتداخل فيه الضوء، والمساحة، والخامة، وطريقة استخدام اللون، والثقافة، والذاكرة، وطبيعة النشاط الذي يحدث داخل المكان.
والأمر نفسه ينطبق على البيوت.
فالبيت في ثقافة ما قد يكون أكثر انفتاحاً على الضيوف والحركة والتجمع، بينما تميل ثقافة أخرى إلى تقسيم واضح بين العام والخاص، وبين أماكن استقبال الضيوف وأماكن الأسرة.
وقد تكون بعض البيئات أكثر ميلاً إلى الألوان القوية والزخارف والتفاصيل، بينما تفضل بيئات أخرى الهدوء البصري والفراغات الأقل ازدحاماً.
لذلك فإن المصمم عندما يستعير فكرة من ثقافة أخرى، لا ينبغي أن ينقلها كما هي، وكأنها وصفة جاهزة، وإنما عليه أن يسأل:
لماذا نجحت هذه الفكرة هناك؟
وهل ستنجح عندنا؟
وكيف يمكن أن نترجمها بما يناسب ثقافتنا ومناخنا وطريقة حياتنا؟
وهنا تظهر قيمة العمارة التي تنتمي إلى المكان.
فنحن لسنا بحاجة إلى بيت تركي أو فارسي أو أمريكي أو أوروبي داخل واحتنا، وإنما نحتاج إلى عمارة معاصرة تستفيد من تجارب العالم، لكنها تفهم الإنسان الذي سيعيش فيها، وتحترم ثقافته وذاكرته وبيئته.
فالاختلاف في الألوان، والمساحات، وشكل الأثاث، وطريقة توزيع الفراغات ليس مجرد اختلاف في الذوق؛ إنه في كثير من الأحيان انعكاس لطريقة مختلفة في النظر إلى الحياة نفسها.
ولهذا فإن المصمم الناجح لا يسأل فقط:
ما الجميل؟
بل يسأل أيضاً:
ما الجميل لهذا الإنسان، في هذا المكان، وضمن هذه الثقافة؟
لا بأس أن نتعلم من العمارة التقليدية!!!
المثير في الموضوع أن العمارة التقليدية في واحتنا لم تكن تعرف مصطلح «العمارة العصبية»، ولم تكن تتحدث عن الدماغ والاستجابة العصبية، لكنها في كثير من تفاصيلها كانت نتيجة خبرة طويلة في فهم الإنسان والبيئة والمناخ والحياة اليومية.
خذ البيت التقليدي في القطيف وغيرها من مناطق المملكة.
لم يكن الحوي مجرد فراغ متروك وسط البيت، بل كان جزءاً من منظومة الحياة.
يدخل إليه الضوء، ويتحرك فيه الهواء، ويمنح أهل البيت مساحة مفتوحة، وفي الوقت نفسه يحافظ البيت على خصوصيته.
والدهليز لم يكن مجرد ممر، بل كان انتقالاً تدريجياً من الطريق إلى داخل البيت.
والرواشن لم تكن مجرد زخرفة، كانت مرتبطة بالضوء والهواء والرؤية والخصوصية.
والأسقف المرتفعة لم تكن مجرد شكل جمالي، كانت مرتبطة بالتهوية والتعامل مع الحرارة.
والجدران السميكة والمواد المحلية لم تكن مجرد اختيار شكلي، بل كانت جزءاً من الاستجابة للمناخ.
حتى توزيع وارتفاع درايش الغرف لم يكن عشوائياً، فقد كان مرتبطاً بطبيعة الحياة، وبالعلاقات الاجتماعية، وبدرجات مهمة من الخصوصية.
العمارة التقليدية كانت تفهم الحواس!
ربما لهذا نشعر أحياناً بالراحة في البيوت التقليدية، حتى لو كانت قديمة وبسيطة.
نرى الجص والزخارف، لكننا لا نرى الزخرفة وحدها.
نرى الضوء والظل.
نلمس الخامة.
نشعر ببرودة بعض المواد ودفء بعضها.
نرى السماء من الفتحة السماوية.
نمر من الدهليز، ونصل إلى فناء البيت «الحوي».
نجد مكاناً للجلوس، وآخر للحركة، وآخر للخصوصية.
إنها ليست عناصر معمارية منفصلة، إنها رحلة مشاعر وحسية داخل المكان.
ولهذا فإن العودة إلى العمارة التقليدية اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد نسخ للأشكال القديمة فقط!!!
الأهم أن نفهم الفكرة التي كانت وراء هذه العناصر.
من تقليد الشكل إلى فهم المعنى والفكرة
نحن بحاجة إلى معماري ومصمم يستطيع أن يقرأ العمارة التقليدية قراءة عميقة.
يسأل:
لماذا كان الحوي موجوداً؟
لماذا الشمسة رأسية؟
لماذا كان المدخل متدرجاً؟
لماذا كانت الرواشن بهذا الشكل؟
لماذا كانت الجدران سميكة؟
لماذا كان السقف مرتفعاً؟
لماذا كان الضوء يدخل من أماكن محددة؟
ولماذا كان هناك هذا التوازن بين المفتوح والمغلق، وبين الضوء والظل، وبين العام والخاص؟
عندما نفهم هذه الأسئلة، نستطيع أن نأخذ روح العمارة التقليدية ونترجمها إلى عمارة معاصرة.
فنحن لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي حرفياً، لكننا نحتاج أن نتعلم من ذكاء وحكمة أجدادنا.
والعميل أيضاً شريك!
المسؤولية لا تقع كلها على المعماري أو المصمم.
فالعميل أحياناً يطلب شيئاً لأنه شاهده في أداة ذكاء اصطناعي أو صورة، أو لأنه أصبح موضة، أو لأنه يريد أن يشبه بيت شخص آخر، وقد يقول:
أريد مثل هذا تماماً.
بينما السؤال الأهم:
هل هذا يناسبني أنا؟
هل يناسب أسلوب حياتي؟
هل يناسب أسرتي؟
هل يناسب مناخنا؟
هل يناسب ثقافتنا؟
وهل سأظل مرتاحاً معه بعد سنوات؟
لذلك فإن العلاقة الصحيحة بين العميل والمعماري ليست أن يطلب أحدهما من الآخر تنفيذ شكل محدد، وإنما أن يحدث بينهما حوار حول الإنسان الذي سيعيش في هذا المكان.
قبل أن نهدم! لنسأل.
عندما يشعر الإنسان بالاضطراب في مكان ما، تكون أول ردة فعل أحياناً هي الرغبة في تغييره.
لكن قبل أن نحرك أو نهدم، لنسأل.
وقبل أن نشتري أثاثاً جديداً، لنسأل.
وقبل أن نغير اللون، لنسأل.
ما الذي يزعجنا فعلاً؟
فربما يكون الحل في معالجة نقطة صغيرة صنعت كل هذا الشعور.
وربما يكون المكان في حاجة إلى إعادة تنظيم، لا إلى هدم.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن نفعله أحياناً هو أن نتخلص من قطع أثاث أو نزيل شيئاً، لا أن نضيف شيئاً.
في النهاية
العمارة ليست جدراناً وأسقفاً وأبواباً ونوافذ فقط، وليست الأثاث والألوان والزخارف وحدها.
العمارة بيئة نعيش داخلها، وهذه البيئة تدخل معنا في تفاصيل يومنا، وتؤثر في راحتنا وانتباهنا ومشاعرنا بدرجات مختلفة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق تصميم أي فراغ ليس:
كيف سيبدو المكان؟
بل:
كيف سيشعر الإنسان عندما يكون فيه؟
وهنا تظهر مسؤولية المعماري والمصمم، ومسؤولية العميل أيضاً.
فالتصميم الجيد ليس الذي يجعلنا نقول:
ما أجمل المكان!
فقط.
بل الذي يجعلنا بعد أن نعيش فيه نقول:
ما أريح هذا المكان.
وربما هنا يكمن الفرق بين الفراغ الجميل والفراغ الناجح.
فالفراغ الناجح هو الذي يجمع بين الجمال والوظيفة والراحة والانتماء.
وقد لا يكون المكان في حاجة إلى مزيد من الزخرفة، ولا إلى أثاث أغلى، ولا إلى هدم وإعادة بناء!
إنه يحتاج أحياناً إلى أن نفهمه قبل أن نغيّره.
فقد لا يكون الخطأ فينا!
يمكن الخطأ في المكان!

بيت الجشي الكرام - القطيف القلعة فريق الخان .



